أبو تراب (عليه السلام)

      ومن الكنى التي أطلقها النبي(صلى الله عليه وآله) على علي (عليه السلام): أبو تراب وكانت أحب الأسماء إلى علي "صلوات الله وسلامه عليه[1].

وقد كناه النبي (صلى الله عليه وآله)بهذه الكنية حين وجده راقداً وقد علا جبينه التراب، فقال له ملاطفاً: قم يا أبا تراب[2].

وربما يكون من أسباب محبته (عليه السلام) لهذه الكنية:

1 ـ إن فيها تذكيراً له بأنه مخلوق من التراب، وأن ذلك يشير إلى أن المتوقع منه أن يتواضع لله تبارك وتعالى، وأن يذل بين يديه.

2 ـ إنها تذكره بمحبة النبي (صلى الله عليه وآله)، وتودده له، حين أتحفه بهذه الكنية على سبيل الملاطفة، وما تضمنته من رفع الكلفة، وزيادة الألفة.

3 ـ إنه (عليه السلام) يستشف من هذه الكنية الممنوحة له، معاني عالية وأسراراً، وحقائق سامية، وتفتح له آفاقاً من التفكر والتبصر، من شأنها أن تزيد من ابتهاجه بهذه الكنية، وتؤكد قيمتها ومغزاها لديه..

4 ـ إنه (عليه السلام) كان يعد ذلك له كرامة، ببركة النفس المحمدي. كان التراب يحدثه بما يجري عليه إلى يوم القيامة، وبما جرى, فافهم سراً جليلاً[3].

ولعل سبب تسمية النبي (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) بأبي تراب، هو أنه (صلى الله عليه وآله) جاء وعلي (عليه السلام) نائم في التراب، فقال: أحق أسمائك أبو تراب، أنت أبو تراب[4].

      وقد علل ابن عباس هذه التكنية بوجه دقيق وعميق، فقد روى سليمان بن مهران، عن عباية بن ربعي، قال: قلت لعبد الله بن عباس: لم كنى رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) أبا تراب؟!

      قال: لأنه صاحب الأرض، وحجة الله على أهلها بعده، وبه بقاؤها، وإليه سكونها. ولقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إنه إذا كان يوم القيامة، ورأى الكافر ما أعد الله تبارك وتعالى لشيعة علي (عليه السلام) من الثواب والزلفى والكرامة، قال: يا ليتني كنت تراباً. يعني: يا ليتني من شيعة علي (عليه السلام). وذلك قول الله (عز وجل): [وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً][5].

       قال المجلسي رحمه الله: يمكن أن يكون ذكر الآية لبيان وجه آخر لتسميته (عليه السلام) بأبي تراب، لأن شيعته لكثرة تذللهم له وانقيادهم لأوامره سُمّوا تراباً، كما في الآية الكريمة.

ولكونه (عليه السلام) صاحبهم، وقائدهم، ومالك أمورهم، سمي أبا تراب[6].

وقد قال عبد الباقي العمري مشيراً إلى ذلك:

 

         ****

يا أبا الأوصياء أنت لِطه

صهره وابن عمه وأخوهُ

         ****

 

إن لله في معانيك سراً

أكثر العالمين ما علموه

         ****

 

أنت ثاني الآباء في منتهى الدور

وآبــاؤه تعــد بنـوه

         ****

 

خلق الله آدماً من تراب

وهو ابن له وأنت أبوه [7] .

         ****

 
قيمة هذه الكنية:

      وقد كان علي (عليه السلام) يعتز ويأنس بكنية أبي تراب، لأنه كان لا يرى الدنيا هدفاً له، يعيش من أجله ويضحي في سبيله، وإنما يعتبرها وسيلة إلى هدفه الأسمى، وغايته الفضلى، ومن يرى نفسه منسجماً في تصرفاته مع هدفه، ومع نظرته؛ لابد أن يرتاح، وينشرح لذلك.

فكانت هذه الكنية من النبي (صلى الله عليه وآله) له بمثابة إعلام له:

      بأنه سوف يبقى في مواقفه وتصرفاته محتفظاً بالخط المنسجم مع أهدافه، وأنه سوف يستمر في وضعه للدنيا في موضعها الذي يليق بها، ولن تغره بزبارجها وبهارجها، ولن يبتلي بالتناقض بين مواقفه وتصرفاته، وبين ما يعتبره هدفاً له.

فمن أجل ذلك وسواه كانت هذه الكنية أحب كناه إليه (عليه السلام).

      وأما الأمويون، الذين كانوا يعيِّرونه (عليه السلام) بهذه الكنية، فقد كان موقفهم أيضاً منسجماً مع نظرتهم ومع ما يمثل القيمة عندهم، فإن غايتهم وهدفهم هو الدنيا، وعلى أساس وجدانها وفقدانها يقيّمون الأشخاص والمواقف، فيحترمون أو يحتقرون.

     وإذا كان علي أبا تراب، ولا يهتم بالدنيا، ولا يسعى لأن ينال منها إلا ما يحفظ له خيط حياته، انطلاقاً من الواجب الشرعي، ويبلغه إلى  أهدافه التي رسمها الله سبحانه له، فإن بني أمية سوف يرونه فاقداً للعنصر الأهم الذي يكون به المجد الباذخ، والكرامة والسؤدد بنظرهم، ويصبح من الطبيعي أن يعيروه بكنية من هذا القبيل، فإن ذلك هو المنسجم كل الانسجام مع غاياتهم ونظرتهم تلك التي تخالف الدين والقرآن، ولا تنسجم مع الفطرة السليمة والمستقيمة.

 

الراية الترابية: علم وسخاء:

     وقد أظهرت بعض النصوص: أن الترابية أصبحت نهجاً وطريقاً ولقباً لفئة من الناس، وأن هذا اللقب أصبح محوراً وشعاراً رائعاً في دلالاته في نطاق التداول بين الأفرقاء: من الأعداء والأصدقاء على حد سواء.

فمن يهتم بالعلم، ونشره، ويعرف بالسخاء والبذل صار يعتبر رافعاً راية ترابية، فقد روي: أنه دخل عبد الله بن صفوان على عبد الله بن الزبير، وهو يومئذٍ بمكة فقال: أصبحت كما قال الشاعر:

 

       ****

فإن تصبك من الأيام جائحة

لا أبك منك على دنياً ولا دين

 

         ****

 
فقال: وما ذاك يا أعرج؟!

فقال: هذا عبد الله بن عباس يفقه الناس، وعبيد الله أخوه يطعم الناس، فما أبقيا لك؟!

فأحفظه ذلك، فأرسل صاحب شرطته، عبد الله بن مطيع، وقال له: انطلق إلى ابني عباس، فقل لهما: أعمدتما إلى راية ترابية قد وضعها الله، فنصبتماها؟! بددا عني جمعكما، ومن ضوى إليكما من أهل الدنيا، وإلا فعلت وفعلت.

فقال ابن عباس: ثكلتك أمك، والله ما يأتينا من الناس غير رجلين: طالب فقه، أو طالب فضل. فأي هذين تمنع؟!

فقال أبو الطفيل:

         ****

لا در در الليـالي كـيـف تضحكنـا

منها خطـوب أعاجيب وتبكينــا

 

         ****

ومثـل مـا تحـدث الأيـام مـن غِـيَرٍ يـا

ابـن الزبـير عـن الدنيا تسلينـا

 

         ****

كنـا نـجـيء ابن عباس فيقبـسنــا

عـلماً ويـكسبنا أجراً ويهــدينــا

 

         ****

ولا يــــزال عـبـيـد الله متــرعــة

جفـانه، مطعـماً ضـيـفاً ومسكينـا

 

         ****

فـالـبر، والـديـن، والدنيا بدارهمـا ننــال

منهــا الـذي نبغي إذا شينـا

 

         ****

إن الـنـبـي هو النور الذي كشـفت

بـه عـمايــات بـاقينــا ومـاضينــا

 

         ****

ورهطـه عصمـة في ديننـا ولــهــم

فضـل علينـا وحـق واجـب فينــا

 

         ****

ولست فـاعلمْه أولى مـنـهمُ رحمــاً

يـا بـن الـزبــير ولا أولى بـه دينـا

 

         ****

فـفـيـم تـمـنـعهم عنــا وتمـنـعـنـا

عنهـم وتـؤذيهـمُ فـينــا وتـؤذينـا

 

         ****

لـن يـؤتِيَ الله مـن أخـزى ببغضهم

في الدين عزاً ولا في الأرض تمكيناً[8] 

         ****

فابن الزبير يعتبر راية العلم، وراية الجود من الرايات الترابية التي اكتسبها أتباع أبي تراب منه (صلوات الله وسلامه عليه).

أترابية وعصبية؟!:

       كما أن أتباع أمير المؤمنين (عليه السلام) أبي تراب كانوا كإمامهم أبعد عن العصبية للعرق والعشيرة، ويشهد لذلك قول كثيِّر عزَّة، حينما قتل آل المهلب بالعقر: ما أجل الخطب! ضحى آل أبي سفيان بالدين يوم الطف، وضحى بنو مروان بالكرم يوم العقر، ثم انتضحت عيناه باكياً.فبلغ ذلك يزيد بن عبد الملك، فدعا به، فلما دخل عليه قال: عليك بهلة الله، أترابية وعصبية؟![9].

مما يعني: أن هاتين الصفتين لا تجتمعان في علي (عليه السلام) وشيعته.

 

 

 

 

--------------------------------------------------

[1].راجع: المعجم الكبير  6 167 و 149 وتاريخ مدينة دمشق  42 17 و 18 وتاريخ الأمم والملوك  2 409 وتذكرة الخواص  1 127 وكشف الغمة  1 136 وبحار الأنوار  35 60 ومناقب علي بن أبي طالب (عليه السلام) وما نزل من القرآن في علي (عليه السلام) لابن مردويه الأصفهاني ص53 ومناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب  2 305 وجواهر المطالب  1 30 وشرح إحقاق الحق (الملحقات)  15 597 و 30 138 ومقاتل الطالبيين ص25 و 26 وعن البخاري، ومسلم، والسنن الكبرى للبيهقي  2 625 وتاريخ الإسلام للذهبي  3 262، وغير ذلك.                                           

[2].محاضرات الأوائل ص113 والغدير  6 337 والإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) للهمداني ص56 وشرح إحقاق الحق (الملحقات)  15 592 و 30 140.

[3]. محاضرة الأوائل ص113 والغدير  6 338 والإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) للهمداني ص56.    

 [4]. راجع: مجمع الزوائد للهيثمي  9 101 والمعجم الأوسط للطبراني  1 237 وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر  42 18 والغدير للشيخ الأميني  6 334 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في الكتاب والسنة والتاريخ  1 82 وكنز العمال  11 627 وشرح إحقاق الحق (الملحقات)  6 543 و 545 و 15 592 و 20  423 و 429 و 431.   

   [5].بحار الأنوار  35 51 و 65 123 وغاية المرام للبحراني (ط إيران)  1 58 و (ط أخرى)  1 60 وعلل الشرايع  1187 و188 و (ط الحيدرية ـ النجف الأشرف)  1 156 ومعاني الأخبار للشيخ الصدوق ص120 وشجرة طوبى  2 220 والإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) للهمداني ص56 والصافي  5 278 و 7 387 وتفسير نور الثقلين ج 5 496 وبشارة المصطفى ص28 و29 والبرهان (تفسير)  8 202 ومناقب آل أبي طالب  2 305.                                  

[6].راجع: بحار الأنوار  3551.

[7].راجع: الغدير للشيخ الأميني  6 338 ومستدرك سفينة البحار  7 380 والإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) للهمداني ص56 و 373 واللمعة البيضاء للتبريزي الأنصاري ص130 والكنى والألقاب للشيخ عباس القمي 2 98 وشجرة طوبى  2 22

[8].الأغاني (ط ساسي)  13 168 وأنساب الأشراف  3 32 والإستيعاب (ط دار الجيل)  3 938 والدرجات الرفيعة ص148 وتاريخ مدينة دمشق  26 129 وسير أعلام النبلاء  3 356 وخزانة الأدب  4 40.

[9]. الأغاني  8 6 وأعيان الشيعة  1 169 و 325 ومختصر أخبار شعراء الشيعة ص69 والدرجات الرفيعة ص588. ينظر بتصرف: السيد معين الحيدري, سلسة أسماء وألقاب الإمام علي(عليه السلام) , الناشر: العتبة العلوية المقدسة ــ قسم الشؤون الفكرية والثقافية, الطبعة: الأولى , محل وتاريخ الطبع: النجف الأشرف، 1430هـ ــ 2009م.