تكوين الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) العلمي وعطاؤه:

    كان لصحبة الإمام علي(عليه السلام) المستمرة مع النبي(صلى الله عليه وآله) ان صقلت شخصيته وأضحى فيها الجانب الإيماني ملقياً ظلاله على فكره وسلوكه الفاضل بحيث كانت قوة مواجهته للظروف قد جعلت من يصفه ـ بحق ـ أنه (أمة في رجل)[1] لا بل أنه :"الإيمان كله" حسب تعبير نبي الأمة[2] ويشكل بمفرده جيش في سبيل الله كما قال عنه الصادق الأمين[3] رغم ثقل وقسوة الظروف وتعقيداتها خلال مسيرته الجهادية عبر حياته الطاهرة.  

     فللإمام علي(عليه السلام) على خصوصيته المتميزة في دنيا العلوم ليس باستطاعتي أن استوفي حقها بما يقتضي من الاستقصاء لا لقلة بضاعتي عنها فحسب بل لعظمة هذا الجانب وسعته وتعدد أوجهه التي عجز عن الخوض في غمارها عمالقة الفكر الإنساني ممن تتبع سيرته العلمية فعلمه بحر لا ساحل له ومن يخوض غماره تتجاذبه الأمواج وتتلاطم فيه التيارات كما أن الخوض فيه يخرجنا عن موضوعنا لهذا سنتناول بشكل سريع لدرره اليتيمة في هذا الخصوص وقد ورد على لسان الرسول الكريم من إن علياً (وارث علمه وحامل رايته)[4].

     وقد بينت لنا مطاوي نهج البلاغة ومورثات الإمام العلمية الأخرى صورة مذهلة لمخزونات علمه تشكل في حقيقتها إعجازاً لأن قلبه امتحن للإيمان فعلاً فصار نور العلم في قلبه من السعة ما حيّر ذوي الألباب الا ان مثل هذه الحيرة تتلاشى في ذهن من تأمل مدلول الحديث النبوي الذي جاء فيه: (أنا مدين العلم وعلي بابها)[5] لهذا نقل ثقاة الأمة والمنصفين من غيرهم أن العلوم في دنيا العروبة والإسلام أنما تنسب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كونه استقاها من الرسول مباشرة والتي عليها أقيم مجد الأمة الغابر وصرح النهضة الفكرية والعلمية المعاصرة في وقت تلبدت فيه أفكار المجتمع العربي والإسلامي وتخدرت بفعل عوامل الدمار التي حلت به نتيجة غزوات التتر وما لحقتها من هجمات مدمرة متتالية وحملات حاقدة لدرجة جعلت من امتنا في عزلة تامة عن كل عوامل الرفاه ناهيك عن عوامل التطور والعلم.

     فالإمام علي(عليه السلام) أخذ علومه من القرآن ومن النبي وكان الصحابي الوحيد الذي يسأل النبي مسائل لا تحظر على بال أحد لا بل ورد عنه قوله: "كنت إذا سألته أنبأني مسائل وإذا سكتُّ سألني" جواباً على من سأله عن سر كونه أكثر الصحابة حديثاً[6] ويروى عنه قوله:"إني أطلعت على مكنون علم لو بحث به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى والبعيدة"[7] وذات يوم أشار إلى صدره وقال:" إن ها هنا علوماً جمة لو أجد له حملة"[8].

     ويمكن إعطاء صور مجملة لما بلغه الإمام علي(عليه السلام)من المنزلة العلمية الرفيعة من خلال عدة شواهد ففي مجال العلم الإلهي الذي هو اشرف العلوم ما دام شرف العلم بشرف المعلوم ومعلومه أشرف الموجودات[9] فللإمام علي(عليه السلام) فيه باع لم يدانيه أحد فيه ويكفينا دلالة ما جاء من وصفه للخالق والخلق والكون في ثنايا نهج البلاغة ولما كان (العلم وراثة كريمة)[10] كما في تعبيره فقد استقى منه الإمامية علم التوحيد والعدل ومنه أخذ المعتزلة كون كبيرهم واصل بن عطاء هو تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية[11]نجل الإمام أما علم الكلام الذي ينضوي في دائرة المحاججة الفكرية والمناظرة الكلامية فأن أول من أسسه هو علي بن أبي طالب(عليه السلام)[12] ولنترك جانباً علم التفسير والفقه وأصوله ولنأت إلى العلوم البحتة كعلم الفضاء والحيوان والرياضيات والبحار .. هذه العلوم التي استفاد منها الأوربيون في عصر النهضة واني أجانب التعسف بالأحكام إذا ما قلت ان بذور تقدمهم مرده اطلاعهم على مخطوطات التراث الإسلامي وبالأخص ما تعلق منها بمآثر الإمامين علي بن ابي طالب(عليه السلام) والامام جعفر الصادق (عليه السلام) المخزونة في دور الكتب الأندلسية وما سرقه نابليون من مصر وما عثروا عليه في بقية البلدان الإسلامية من كنوز علمية ثمينة ولنا في ذلك أكثر من شاهد ففي مجال اختراق الفضاء لا بد وأنهم اطلعوا على قول الإمام علي (عليه السلام) الذي جاء فيه: " إن هذه النجوم التي في السماء مدائن مثل المدائن التي في الأرض"[13] المستمد من قوله تعالى [يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ](الرحمن: 33).

     وعندما شاهد الإمام علي(عليه السلام) في النهروان شلالاً هادراً من الماء قال:" إن من الممكن أن يخرج منه ناراً تضيء الدنيا"[14] والمراد بالنار هو ضوء الكهرباء وعلة عدم إمكانية السفر بخط مستقيم في الطائرة من مكة إلى القدس إلا بخط مقوس وما إلى ذلك مما هو مثبوت في الكتب التراثية فإليه ترجع أصول ومنشأ العديد من العلوم سواء في جانبها الإنساني أو العلمي الصرف.

ويكفي المسلمين فخراً كونه أول من وضع العربية ونقط المصحف[15]  وأول من وضع أصول الخط العربي[16]فضلاً عن أنه أول من وضع التاريخ الهجري[17] وهو الذي أرشد عمر بن الخطاب في أن يضع مقياساً بحلوان؛ لقياس مدى ارتفاع مناسيب مياه النيل ونكتفي إلى هذا لحد الآن الكلام فيه يحتاج إلى مجلد ضخم[18] وقد أغنى غيرنا بسط الكلام فيه[19].

 

------------------------------------------

[1] الدكتورة سعاد ماهر: 13.

[2] إرشاد القلوب: 214 كشف الغمة: 1/2 ـ 5، ابن أبي الحديد: 4/362.

[3] سعاد ماهر:.

[4] أحمد بن محمد البكري/سيرة الإمام علي: 8 مطبعة المنار تونس بلا.

[5] لعل خير من تناول هذا الحديث الشريف وتخرجه وأفرد له كتاباً هو العلامة المغربي احمد بن محمد بن الصديق في كتابه (فتح الملك العلي) الذي ط بع بالقاهرة عام 1354هـ.

[6] ابن ابي الحديد: 4/194.  

[7]ارشاد القلوب: 212.

[8]إحياء علوم الدين: 1/91.

[9]ابن أبي الحديد: 1/35.

[10] ابن ابي الحديد: 5/265، كشف الغمة: 1/116.

[11] ابن أبي الحديد: 1/36.

[12] إحياء علوم الدين: 1/88 وبتفصيل أوسع راجع جرجي جرداق في كتابه الإمام علي صوت العدالة الإنسانية سابقة الإشارة.

[13] مجمع البحرين ـ كلمة: كوكب الطبعة المجرية لعام 1317هـ.

[14]الدكتور نزار البكاء/ راجع بحثه في مجلة البراق العدد الأول عام 2002.

([15])القلقشندي/ صبح الأعشى: 3/151، مفتاح السعادة: 1/89.

[16] بتفصيل أوسع راجع العلامة الدكتور اسعد أحمد علي/ السبر الأدبي: 2/637 و 639 طبعة باريس 1998.

[17]التنبيه والأشراف: 252 سبق ذكره.

[18] ففي الرياضيات فقط يمكن الاطلاع على نماذج من عبقرية افمام فيه وسرعة حله لها التي تفوق سرعة الحاسوب حالياً في بحث الدكتور محمد كريم الشمري/ مجلة المهدي العدد 17 عام 1430هـ.

[19] ينظر بتصرف: القاضي فاضل عباس الملا , الإمام علي ومنهجه بالقضاء, الناشر: العتبة العلوية المقدسة ــ قسم الشؤون الفكرية والثقافية, الطبعة: الأولى,تاريخ الطبع: 1432هـ ــ 2010م.