تولي الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) الخلافة

      المعروف تأريخياً إن الإمام علياً(عليه السلام) بعد مقتل الخليفة عثمان كان في منزله بالمدينة المنورة[1] فأتاه أصحاب رسول الله وأصروا في ان يتولى أمر المسلمين لأنه أحق من غيره في الخلافة وبعد الإلحاح أخذهم إلى المسجد الحرام كي تكون البيعة علنية وعلى مسمع ورضى المسلمين فبايعه المهاجرون والأنصار ثم بقية الناس وكان ذلك صباح يوم الجمعة في 25 ذي الحجة عام 35هـ[2] وجاء الإمام تحت ذلك الضغط الجماهيري ليتسلم إدارة وضع سياسي واجتماعي واقتصادي محاط بكثرة المشاكل والصعوبات وكان يدرك أبعاد الخطورة وحراجة الموقف والظروف التي سيواجهها وعندما بلغه نبأ نكث طلحة والزبير خاطب جماهير المدينة بقول مشحون بالأشجان نقتطف منه قوله:

     "ثم استخرجتموني أيها الناس من بيتي فبايعتموني على شين مني لأمركم وفراسة تصدقني ما في قول كثير منكم وبايعني هذان الرجلان في أول من بايع تعلمون ذلك وقد نكثا وعذرا ونهضا إلى البصرة"[3].

          لا بل انه لما اريد على البيعة بعد مقتل عثمان قال لهم بصريح العبارة: "دعوني والتمسوا غيري فانا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول وأن الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت .. واعلموا أني أن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب وان تر كتموني فأنا كأحدكم..."[4].

     وفعلاً عندما لم يجد مناصاً إلا استلام زمام الخلافة وقد تذكر ما أوصاه به الرسول ـ حسبما أورده الطبري في الرياض النضرة: إن جاءوك وبايعوك فاقبل منهم لذا وزع الولاة على الأمصار بالشكل الآتي[5].

1. عثمان بن حنيف/ على البصرة.

2. عمارة بن شهاب / على الكوفة.

3. عبيد الله بن العباس/ على اليمن.

4. قيس بن سعد/ على مصر.

5. سهيل بن حنّيف/ على الشام.

     هذا وقد خطا الإمام علي(عليه السلام) خطوات حاسمة غيرّت ما كان سائداً على الصعيد السياسي والاقتصادي فعلى الصعيد السياسي تبنى  سياسة إقصاء من لم يجد فيه المؤهلات المطلوبة للولاية التي أسندت إليه من قبل فوز ع الولاة الجدد المار ذكرهم أما الصعيد الاقتصادي فقد طبق المساواة في العطاء دون أن يمنح رؤساء القوم أية مميزات مما أثار حفيظتهم وحفيظة من أقصى من الأمارة من ألف الاستئثار والطبقية والاقتتات عن فظلات الكادحين فأدركوا أن مصالحهم باتت في خطر لذا بدأت تلك الفئات تتحرك ضد هذا النظام الجديد الذي باشره الإمام هذا فضلاً عن طلبه لنفر من بني أمية بغية مقاضاتهم عما سببوه للمسلمين من اعتداءات وللشريعة من انتهاكات فهربوا وهكذا بدأت تلك العناصر المرتدة ومن سار مسارهم من أهل النفاق والتذبذب وطلاب المناصب والحاسدين[6] في المجتمع بمكة رافعين شعار المطالبة بدم عثمان من قاتليه دون أن يفسحوا المجال للإمام الوقت الكافي للتثبت عبر التحقيق والبحث بأناة عن القتلة.

وفي وسط هذا الجو المفعوم بالكيد والغدر والحسد أخذت بوادر الفتنة تلوح ضد الإمام بشكل أكبر خصوصاً بعد أن أعلن معاوية في الشام تمرده وعصيانه على سلطة الحق التي يمثلها علي بن أبي طالب(عليه السلام) والذي زاد من حراجة الموقف هروب يعلى بن منبه ـ والي عثمان في اليمن ـ بعد اختلاسه ما كان في بيت المال وهروبه بالمال إلى مكة في وقت كان الإمام يحث أهل المدينة على قتال معاوية.

     وإزاء هذه الظروف العصيبة لا بد للإمام(عليه السلام) أن يتوجه إلى أحد الخصمين فطلحة والزبير  اقتادا جيشاً متجهاً إلى البصرة وكان مركز قوته وجود عائشة في ركبه[7] فاختار إخماد فتنة البصرة للتفرغ بعدها إلى قتال معاوية لأن جموع طلحة والزبير اقل عدداً من جموع معاوية وأقرب طريقاً كما أن مرور الوقت قد يكشف للناس أضاليل معاوية وهكذا تحقق للإمام ما كان يقول له الرسول:

     "أنك ستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين"[8] وقد اعتبر أبن أبي الحديد هذا الحديث الشريف من معجزات النبي(صلى الله عليه وآله) لأنه اخبر عن حوادث حصلت بعد وفاته . فالناكثين هم المنافقون لعهد بيعة علي(عليه السلام) وهم طلحة والزبير ومن سار في ركابهم في واقعة الجمل وانتصر عليهم بعدها توجه إلى قتال (القاسطون) أهل الشام من أتباع معاوية[9] بصفين وكان (المارقون) وهم الخوارج الذين قاتلهم الإمام في النهروان لأنهم قد مرقوا من الدين وانشقوا عن الإمام فطالبوا بخلعه بعد التحكيم الذي لجأ إليه دهاء معاوية كما يخبرنا التاريخ والرواة[10].

     ونحن إذ لا نؤرخ لهذه الأحداث إلا بقدر ما له من أثر في موقف الإمام من هذه الفتن والحروب وقوته في مواجهتها .. والمهم في الأمر أخيراً فإن الإمام عندما أخذ يعد العدة للزحف على القاسطين من أهل الشام وحسم الموقف معهم وإذا بابن ملجم يضربه غيلة بسيفه المسموم أثناء صلاة الإمام(عليه السلام) في مسجد الكوفة فجر يوم 19 رمضان عام 40 للهجرة وبعد مرور ثلاثة أيام على الضربة قضى الإمام الهمام نحبه شهيداً[11] فتهيأت الفرصة لمعاوية كي يحقق هدفه الذي طالما سعى إليه ألا وهو القبض على زمام السلطة وتولي أمرة المسلمين"[12].

 

------------------------------------------------------------

[1]  رغم محاولته سد باب الفتنة، راجع مثالاً الدكتورة سعاد ماهر، 72 وما بعدها.

[2] الإمام علي رابع الخلفاء الراشدون لمحمد رضا،64 سبق ذكره.

[3]  ابن ابي الحديد، 1 /248.

[4]  محمد عبده ، 2/ 181 وما بعدها.

[5]  الإمام علي رابع الخلفاء: 72.

[6]  ولعل من المناسب هنا الإشارة إلى ما ذكره ابن طاووس في سعد السعود: 296 طبعة النجف عام 1950 من أن أكثر الأحاديث المروية عن ابن عباس أنما في حقيقتها أخذها نقلاً عن الإمام علي إلا أنه أخفى هذه الحقيقة لما رأى من الحسد له والحيف عليه فخاف أن لا تنقل الأخبار عنه  إذ لا يعقل أن يستوعب ذهن ابن عباس لحجم الأحاديث المروية عنه ما دام عمره حال وفاة النبي عشر سنين كما جاء في الاستيعاب لابن عبد البر فمثل السن المذكور لا يمكن استيعاب العدد المروي عنه من الأحاديث النبوية لهذا عُتم على حقيقة أخذها من علي بن ابي طالب.

[7]  ابن ابي الحديد: 2/ 349، ذخائر العقبى: 120، الاستيعاب: 3/ 35.

[8]  ابن ابي الحديد: 2/ 349، ذخائر العقبى: 120، الاستيعاب: 3/ 35.

[9]  من طريف ما يروى أن اعرابيا بادر الإمام علي في واقعة الجمل متسائلاً: (أيمكن ان يجتمع الزبير وطلحة وعائشة في باطل؟) فأجابه الإمام: (إنك لملبوس عليك) ولاستزادة راجع كتابنا: التحقيق الجنائي في قضاء الإمام علي: 41 الطبعة الثانية 1429هـ.

[10]  تاريخ الطبري وابن الأثير وانظر أيضاً كشف الغمة: 1/ 128، النسائي/ الخصائص: 43 طبعة النجف 1490هـ.

[11]  الدكتور حسن عيسى الحكيم: 156 وما بعدها سبق ذكره.

[12]   ينظر بتصرف: القاضي فاضل عباس الملا ، الإمام علي ومنهجه بالقضاء ، الناشر: العتبة العلوية المقدسة ــ قسم الشؤون الفكرية والثقافية، الطبعة: الأولى،تاريخ الطبع: 1432هـ ــ 2010م.