جَمْعُ الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) للقرآن الكريم

     بعد أن انتهى الإمام من مراسيم دفن جثمان الرسول الطاهر(صلى الله عليه وآله) بقي في بيته وباشر في جمع القرآن العظيم وعبر ثلاثة أيام أكمله وقد أصبح هذا المصحف الشريف الذي بخط أمير المؤمنين(عليه السلام) عند أهل جعفر في القرن الرابع للهجرة حين شاهده ابن النديم عند أبي يعلى حمزة الحسيني وقد سقطت عنه أوراق وأخذ بنو الحسن يتوارثونه[1].

     وفي وراية أن علياً (عليه السلام) لما قبض رسول الله أقسم على أن لا يضع ردائه على ظهره حتى يجمع القرآن[2] وفي رواية محمد بن سيرين أنه (عليه السلام) الى أن لا يرتدي ردائه إلا إلى الصلاة حتى يجمع القرآن فور وفاة الرسول ويذكر أنه قد جمعه على تنزيله وأضافه ابن سيرين :"لو أصيب ذلك الكتاب ـ أي لو عثر عليه ـ كان فيه العلم"[3]ويستشف من هذه العبارة أن علياً لم يكتف بجمع القرآن وتدوينه حسب التنزيل بل ربما شرح وأوضح مداليل ما يستحق من آياته التوضيح فمن شواهد إعجازه العلمي نذكر بهذا الخصوص قوله الذي جاء فيه :"لو شئت لأوفرت سبعين بعيراً  في تفسير فاتحة الكتاب"[4] ورجل هذه درجته في علوم القرآن لا بد وأن يكون محيطاً بكل علوم السماء المبلغة إلى الأرض ما دام القرآن فيه تبيان لكل شيء والذي يعزز قولنا هذا ما ورد عنه (عليه السلام) حيث قال:"من فهم القرآن فسر به جمل العلم) أي مجامع العلم كلها"[5].

     وتأسيساً على ما تقدم فأن قول ابن سيرين يجب أن لا يحمل على أن القرآن بصحفه الموجودة حالياً قد شابه نقص أو تحريف بدليل أن علياً  أقر المصحف المبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس كي لا يحصل خلاف بين المسلمين[6]رغم أن قراءة الإمام علي (عليه السلام) له هي أفضل القراءات[7] وأنه قد حفظه عن ظهر قلب لهذا ودفعاً لتفاضل القراءات (التي اختلف الناس فيها: يلقى الرجل الرجل فيقول قراءتي خير من قراءتك وهذا يجر إلى الكفر) فقد وحدّ عثمان المصاحف وحمل الناس على قراءتها بوجه واحد لا بمعنى تنسيق سوره وآياته بين لوحين كما فعل الإمام علي(عليه السلام)[8] ولا يعني القول بأن الامام علياً (عليه السلام)أول من جمع القرآن بمعنى أنه لم يكن مدوناً في عهد الرسول(صلى الله عليه وآله) فكتابته حصلت بعهده وبأمر منه ولكنه كان مفرقاً في الرقاع والأكتاف والعسب إلا أن الامام علياً(عليه السلام) جمعه بين دفتي المصحف وبين لوحين بتعبير آخر[9].

 

----------------------------------------------------

[1]  فهرست ابن النديم: 42 نشر دار المعرفة بيروت بدون تاريخ.

[2] تاريخ الخلفاء: 185، الصواعق المحرقة: 128.

[3]  المناقب للخوارزمي: 49.

[4] إحياء علوم الدين: 1/255.

[5]  المصدر نفسه: 556.

[6]  فاضل عباس الملا/ المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية: 17 رونيو 2005.

[7]  مفتاح الكرامة: 2/9.

[8]  الدكتور  داود العطار/موجز علوم القرآن: 165 وما بعدها ـ طبعة ثانية عام 1426هـ.

[9] ينظر بتصرف: القاضي فاضل عباس الملا , الإمام علي ومنهجه بالقضاء, الناشر: العتبة العلوية المقدسة , قسم الشؤون الفكرية والثقافية, الطبعة: الأولى,تاريخ الطبع: 1432هـ ــ 2010م.