جهاد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) في الاسلام

     لقد وفَّى الامام علي بن ابي طالب(عليه السلام) بعهده وأنجز وعده، فدافع عن عقيدة الإسلام دفاع الابطال تحت لواء رسول الله(صلى الله عليه وآله) بكل غال ونفيس لنشر راية لا اله إلا الله, ووقائعه في التأريخ مشهودة، وكلماته في بطون الكتب موجودة، وسيرته الجهادية المباركة احد الشواهد على هذه الحقيقة.

     انه الفادي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بنفسه حين بات على فراشه يوم هجرته، وهو صاحب الحملات المشهورة يوم بدر واحد وحنين، وناصر الإسلام على الكافرين في يوم الأحزاب، وصاحب الفتح العظيم في يوم خيبر، والمقاتل بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) على تأويل القران كما قاتل الرسول على تنزيله[1]، ودفع كيد الناكثين والقاسطين والمارقين[2] حينما طحنهم في ثلاث حروب كانت من كبريات المعارك في التاريخ الإسلامي: حرب الجمل وصفين والنهروان.

     لم يكن عليٌّ (عليه السلام) يعرف للخوف معنى. ولا للجبن مفهوما في نفسه بل كان يستقبل الموت برحابة صدر يهرول في الحرب جانب العدو كأنه يقصد شيئا يحبه حتى اجمع المسلمون وغير المسلمين: ان الامام عليا(عليه السلام) اشجع العرب والعجم ولم يشهد التاريخ له مثيلا ونظيرا ولم يُرَ اشجع منه. وهذه نبذة من غزوات الرسول (صلى الله عليه وآله) التي حضرها الإمام وكان نصيبه من الجهد والعناء اكثر من غيره ولم يسلم الإمام علي (عليه السلام) من سهام العدو وسيوفهم بل كانت الجراحات تأخذ منه كل مأخذ[3].

     لقد أعد الله سبحانه وتعالى وليه علي بن أبي طالب (عليه السلام) إعدادا جعله يصبح بحق هو السيف الحارس لدينه والعضد المدافع عن نبيه، وصار ضرغامه الذي يفتخر المشركون بقتلاهم الذين سقطوا بحد سيفه، حيث لا يثبت له شجاع ولا يطيق هيبته محارب، إذا مشى إلى الحرب هرول، وإذا أمسك بذراع رجل لم يستطع أن يتنفس، وما صارع أحدا إلا صرعه[4]، وهو الذي قلع باب خيبر الذي عجز عنه الرجال الأشداء، وهو القائل: "وَاللَّهِ لَوْ تَظَاهَرَتِ الْعَرَبُ عَلَى قِتَالِي لَمَا وَلَّيْتُ عَنْهَا، وَلَوْ أَمْكَنَتِ الْفُرَصُ مِنْ رِقَابِهَا لَسَارَعْتُ إِلَيْهَا"[5].

     فبطولته يعجز عن وصفها الواصفون .. حتى تغنى بشدة بأسه الأبطال واستشهد ببطولاته الشجعان، فهو بحق فارس الميدان الأول  والأوحد الذي كان يلقي بنفسه في اهوال الحرب  بين الأسنة والرماح فلا  يبالي أن وقع هو على الموت أو وقع الموت عليه..وهو في كل صولة وجولة يخرج مؤتزرا بأزار النصر قد اعتزم بعزم الله والحَقَ بعدوه شرّ هزيمة منكرة.

 يقول ابن أبي الحديد: وأما الجهاد في سبيل الله فمعلوم عند صديقه وعدوه انه سيد المجاهدين وهل الجهاد لأحد من الناس إلا له؟ وقد عرفت إنّ اعظم غزوة غزاها رسول الله واشدها نكاية في المشركين بدر الكبرى التي قتل فيها سبعون من المشركين قتل علي نصفهم وقتل المسلمون والملائكة النصف الآخر وإذا رجعت الى مغازي محمد بن عمر الواقدي وتاريخ الأشراف ليحيى بن جابر البلاذري وغيرهما علمت صحة ذلك...

     فمن مناقبه (عليه السلام) يوم الخندق انه قال فيه النبي(صلى الله عليه وآله): ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين، وذلك إن قريشا قد تجمعت وقائدها أبو سفيان بن حرب وان غطفان قد تجمعت وقائدها عيينة بن حصين واتفقوا مع بني النضير من اليهود على قصد النبي (صلى الله عليه وآله) وحصار المدينة، فأخذ النبي (صلى الله عليه وآله) بحراسة المدينة في عمل الخندق عليها فاقبلوا كالجراد المنتشر حتى قص الله قصتهم إذ جاؤوكم من فوقكم، ومن أسفل منكم فخرج رسول الله في ثلاثة آلاف ووافقت اليهود المشركين على رسول الله، واشتد الأمر على المسلمين كما قال الله تعالى: [وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا] وطمع المشركون بسبب كثرتهم فركبت فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود كان من مشاهيرهم وكان يعد بألف فارس ومعه ابنه حسل ابن عمرو وأصحابه، فلما نظروا إلى الخندق قالوا: هذه مكيدة ما كان العرب تعرفها، فقيل لهم: هذا من تدبير الفارسي الذي معه(يعنون بذلك سلمان المحمدي)، فاقتحموا الخندق وعبروه وجالت خيلهم في السبخة بين الخندق وبين المسلمين، وجعل عمرو بن عبد ود ينادي هل من مبارز فقام النبي(صلى الله عليه وآله) في أصحابه وقال:من لهذا الكلب فلم يجبه أحد إلا علي(عليه السلام)وقال أنا أبارزه فقال (صلى الله عليه وآله) إنه عمرو، فسكت، فقال عمرو: هل من مبارز؟ ثم جعل يؤنبهم ويقول:أين جنتكم التي تزعمون إن من قتل يدخلها افلا يبرز الي أحد ؟ فقال علي (عليه السلام) أنا له يا رسول الله فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله):إنه عمرو فسكت فركز عمرو بن عبد ود رمحه في الارض واقبل يجول ..فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله):من يبرز لهذا الكلب فلم يجبه أحد فقال علي أنا له يا رسول الله فقال (صلى الله عليه وآله):هذا عمرو بن عبد ود قال علي (عليه السلام) وان كان وانا علي بن أبي طالب، فاذن له رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعممه بعمامته والبسه درعه وقلده سيفه وقال:اللهم اعنه عليه اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوق رأسه ومن تحت قدميه فلا تذرني فردا وانت خير الوارثين، وقال:برز الايمان كله الى الشرك كله فمر أمير المؤمنين (عليه السلام) يهرول ..فقال عمرو:من انت ؟ قال:أنا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله وختنه ـ زوج ابنته ـ  فقال عمرو:والله إن أباك كان صديقا لي وانا أكره أن أختطفك برمحي هذا فاتركك شائلا بين السماء والارض لا حيا ولا ميتا واني أكره إن اقتلك . فقال علي (عليه السلام):دع هذا يا عمرو اني سمعتك تقول:ما يعرض أحد علي ثلاث خصال إلا اجبته إلى واحدة وانا اعرض عليك ثلاث خصال فاجبني الى واحدة قال:هات يا علي قال:تشهد أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله قال:نح هذا عني قال:الثانية أن ترجع وترد هذا الجيش عن رسول الله فان يك صادقا فانتم اعلا به عينا، وان كان كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمره فقال إذا لتتحدث نساء قريش بذلك ولينشد العرب باشعارها اني جبنت ورجعت الى عقبي من الحرب وخذلت قوما رأسوني عليهم فقال (عليه السلام):فالثالثة ان ادعوك الى النزول قال:إني لا أحب أن اقتل الرجل الكريم مثلك فقال (عليه السلام):ولكني والله احب ان اقتلك فحمي عمرو فاقتحم عن فرسه ونزل وعقرها فتبارزا وتجادلا ساعة ثم بدأ فضرب أمير المؤمنين بالسيف على رأسه فاتقاها أمير المؤمنين (عليه السلام) بالدرقة فقطعها وثبت السيف على رأسه فقال علي (عليه السلام):يا عمرو ما كفاك اني بارزتك وانت فارس العرب ... فالتفت عمرو الى خلفه فضربه أمير المؤمنين(عليه السلام) مسرعا على ساقيه فاطنهما(قطعهما) جميعا وارتفعت بينهما عجاجة فلما انكشفت العجاجة نظروا فإذا أمير المؤمنين(عليه السلام) على صدره وقد اخذ بلحيته يريد أن يذبحه ثم أخذ رأسه واقبل الى رسول الله (صلى الله عليه وآله)والدماء تسيل من رأسه من ضربة عمرو وسيفه يقطر منه الدم[6].

     وروي عن جابر بن عمير الأنصاري انه قال في علي (عليه السلام) في حرب صفين: فلا والذي بعث محمدا بالحق نبيا، ما سمعنا رئيس قوم منذ خلق الله السموات والأرض أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب، إنه قتل - فيما ذكر العادون- زيادة على خمسمائة من أعلام العرب، يخرج بسيفه منحنيا فيقول: (معذرة إلى الله وإليكم من هذا، لقد هممت أن أفلقه، ولكن يحجزني عنه أني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول:"لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي" وأنا أقاتل به دونه (صلى الله عليه وآله) قال الراوي: فكنا نأخذه فنقومه، ثم يتناوله من أيدينا فيقتحم به في عرض الصف، فلا والله ما ليث بأشد نكاية منه في عدوه (عليه السلام) [7].

 

-----------------------------------------------

[1] ينابيع المودة للقندوزي: 3/278.

[2] وسائل الشيعة /الإسلامية : 20/140.

  [3]  الامام علي من المهد الى اللحد: 63

  [4] جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليه السلام) ،  ابن الدمشقي: 36/ 1 .

 [5]  نهج البلاغة: 73.

[6] شجرة طوبى: 287 /2 .

[7] شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد:   210./ 2 ينظر كتاب: علي محمد علي دخيل, سيرة الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)والخطبتان الخالية من الألف والخالية من النقطة, الناشر: العتبة العلوية المقدسة ــ قسم الشؤون الفكرية والثقافية, الطبعة: الأولى محل الطبع وتاريخه: النجف الأشرف، 1431هـ- 2010م.