حال الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) بعد وفاة الرسول

     بعد جهاد الامام علي(عليه السلام) مع الرسول(صلى الله عليه وآله) خلال ثلاثة وعشرين سنة من عمر الرسالة فاضت روح النبي الطاهرة ورأسه في حجر علي(عليه السلام) وبعد الانتهاء من دفن جثمانه باشر فوراً في جمع القرآن وخلال ثلاثة أيام انتهى من الجمع فانفرد عن غيره من الصحابة والقادة بعيداً عن المواجهة ومركز القيادة حيث قضى خمس وعشرون سنة منشغلاً بحفر الآبار والزراعة ولا بد وأن يكون حاضراً عندما سئل الرسول(صلى الله عليه وآله) عن أي المال خير فأجاب: (زرع زرعه صاحبه وأصلحه وأدى حقه يوم حصاده)[1] ولقد أصاب المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون عندما قال: "إذا كانت ثمار الأرض تمجد في كثير من المواضيع القرآنية ـ كأمثلة لجلال ما صنع الله ولاسيما الحبوب والفاكهة والمراعي فذلك يعني بالضرورة تشجيعاً للزارعين والرعاة على العمل استزادة من هذه العطايا الإلهية"[2].

      فالإمام علي (عليه السلام) أعطاه الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) من الغنائم أرضاً بوراً لكنها غنية بمياهها الجوفية وخصوبة أرضها فحفر فيها الإمام (عليه السلام) عيوناً وأنشأ عليها بساتين نخل وزروع وسماها ينبع[3] وقد أشتهر عنه أنه لا يأكل إلا من عرق جبينه يابس الخبز وحامض اللين فكان حقاً أزهد الزهاد[4] وحتى عندما آلت إليه أمور المسلمين وبويع للخلافة واتخذ من الكوفة عاصمة للدولة الإسلامية فإن نفقته تأتيه من غلته بالمدينة من ينبع[5] دون أن يأخذ من بيت المال درهماً واحداً ـ وهذه هي من فرائده التي لم يسبقه فيها سابق ولا لا حق من قادة الأمم ـ ويذكر انه (عليه السلام) أول من زرع الموز في المدينة[6] و قد كان هدفه من الزراعة في ينبع التي لا زالت آبارها في أطراف المدينة عند ميقات مسجد الشجرة تعرف باسم (آبار علي)[7] حيث أقام فيها مركزاً زراعياً كبيراً بعد أن كانت المنطقة فيها بساتين نخل متواضعة وبدائية ولم يكن هدف الإمام منها أن يكون مزارعاً لكسب الربح بل كان يبغي ـ وهذه نقطة مهمة جداً ـ نقل ذلك المجتمع من حالة البداوة الساذجة إلى مرحلة الإنتاج الزراعي وتعويد الناس على الاستقرار والحياة الهادئة والكسب الشريف والتحضر ومثل هذا الهدف ندر أن انتبه إليه الباحثون وفضلاً عن ذلك فأنه اعتاد على شراء العبيد ثم يعتقهم لوجهه تعالى [8] عسى أن يسير غيره بخطواته في مقت العبودية وتحرير الناس من ربقتها وتلك حالة غير مسبوقة لهذا نجد قد أضحى نصير المستضعفين والضعفاء والمساكين ولا ننسى عبارته المشهورة: يا دنيا غري غيري"[9].

 

------------------------------------------------

[1]  راجع الشيخ الصدوق/ الخصال: 246 طبعة النجف.

[2]  مكسيم رودنسون/ الإسلام والرأسمالية: 153 ترجمة نزيه الحكيم ـ بيروت 1968.

[3]  للتوسع راجع العلامة الشيخ علي الكوراني في بحثه النفيس: المالية الخاصة للنبي وأهل البيت المنشور بمجلة الأصالة النجفية رمضان 1430هـ 2009م.

[4]  ابن هلال الثقفي/الغارات: 54 وما بعدها/ دار الأضواء بيروت 1987.

[5]  ورد في مجمع البحرين للشيخ الطريحي إن الرسول لما قسم الفيء أصاب علي أرضاً فاحتفر فيها عنيا فنبع منها الماء منها كهيئة عنق البعير فسماها ينبع.

[6]  الغارات: 54 وما بعدها.

[7]  الشيخ الكوراني في بحثه السابق.

[8]  الغارات: 59.

[9]  الغارات : 55، وكشف الغمة: 1/165. ينظر: القاضي فاضل عباس الملا , الإمام علي ومنهجه بالقضاء, الناشر: العتبة العلوية المقدسة ــ قسم الشؤون الفكرية والثقافية, الطبعة: الأولى,تاريخ الطبع: 1432هـ ــ 2010م.