عـهـد الخـليـفـة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى واليه على مصر الصحابي مالك الأشــتر (رضي الله عنه)

 

النَـصّ الكامـلُ[1].

 

لعـهـدِ الإمام ِعليّ بن أبي طـالب(عليه السلام)

 إلى الصحابي مالك الأشتر[2] (رضي الله عنه)

 

 

حينما تم تعـيين مالك الاشتر والياً على مصر

 

الأمر الرسمي بالتعـيين والتكليف:

بِسم ِاللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم

هذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللهِ عَلِيٌ أَميِرُ الْمُؤْمِنِينَ، مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الاشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ، حِينَ وَلاَّهُ مِصْرَ: جِبْوةَ خَرَاجِهَا، وَجِهَادَ عَدُوِّهَا، وَاسْتِصْلاَحَ أَهْلِهَا، وَعِمَارَةَ بِلاَدِهَا.

 

الأمر بالتقيد بالقانون وضبط النفس:

        أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللهِ، وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ، وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ: مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ، الَّتِي لاَ يَسْعَدُ أَحَدٌ إِلاَّ بِاتِّبَاعِهَا، وَلاَ يَشْقَى إِلاَّ مَعَ جُحُودِهَا وَإِضَاعَتِهَا، وَأَنْ يَنْصُرَ اللهَ سُبْحَانَهُ بَيَدِهِ وَقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، فَإِنَّهُ، جَلَّ اسْمُهُ، قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ، وَإِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ.

وَأَمَرَهُ أَنْ يَكْسِرَ نَفْسَهُ عِنْدَ الشَّهَوَاتِ، وَيَزَعَهَا(يكفها) عِنْدَ الْجَمَحَاتِ(منازعات النفس إلى شهواتها ومآربها)، فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، إِلاَّ مَا رَحِمَ اللهُ.

اخذ العبرة ممن سبقه في الحكم:

        ثُمَّ اعْلَمْ يَا مَالكُ، أَنِّي قدْ وَجَّهْتُكَ إِلَى بِلاَد قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ، مِنْ عَدْل وَجَوْر، وَأَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ فِى مِثْلِ مَا كُنْتَ تَنْظُرُ فِيهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلاَةِ قَبْلَكَ، وَيَقُولُونَ فِيكَ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِيهِمْ،إِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحِينَ بِمَا يُجْرِي اللهُ لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ.

العمل الصالح والرحمة بالناس والعفو:

        فَلْيَكُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَيْكَ ذَخِيرَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَامْلِكْ هَوَاكَ، وَشُحَّ بِنَفْسِكَ (ابتعد) عَمَّا لاَ يَحِلُّ لَكَ، فَإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفْسِ الانْصَافُ مِنْهَا فَيَما أَحْبَبْتَ وَكَرِهْتَ.

     وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْـمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلاَ تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإمّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ، يَفْرُطُ (يسبق) مِنْهُمُ الزَّلَلُ، وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ، يُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الَعَمْدِ وَالْخَطَاَ، فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلَ الَّذِي تُحِبُّ أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ، فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ، وَ وَالِي الامْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ، وَاللهُ فَوْقَ مَنْ وَلاَّكَ!

وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ (طلب منك كفاية أمرك والقيام بتدبير مصالحهم) أَمْرَهُمْ، وَابْتَلاَكَ بِهِمْ.

إطاعة القانون وعدم التكبر:

       وَلاَ تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللهِ (مخالفة شريعته بالظلم والجور)، فَإِنَّهْ لاَيَدَيْ لَكَ بِنِقْمَتِهِ (أي لا طاقة لك بها)، وَلاَ غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ. وَلاَ تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْو، وَلاَ تَبْجَحَنَّ (تفرح بزهو) بِعُقُوبَة، وَلاَ تُسْرِعَنَّ إِلَى بَادِرَة (يبدر من الحدة عند الغضب) وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحَةً (متسعا)، وَلاَ تَقُولَنَّ: إِنِّي مُؤَمَّرٌ(مسلط) آمُرُ فَأُطَاعُ، فَإِنَّ ذلِكَ إِدْغَالٌ (إدخال الفساد) فِي الْقَلْبِ، وَمَنْهَكَةٌ (مضعفة) لِلدِّينِ، وَتَقَرُّبٌ مِنَ الْغِـيَــرِ (حادثات الدهر بتبدل الدول).

     وَإِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أُبَّهَةً (الكبرياء) أَوْ مَخِيلَةً (الخيلاء)، فَانْظُرْ إِلَى عِظَمِ مُلْكِ اللهِ فَوْقَكَ، وَقُدْرَتِهِ مَنْكَ عَلَى مَا لاَ تَقْدِر ُعَلَيْهِ  مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّ ذلِكَ يُطَامِنُ (يخفض) إِلَيْكَ مِنْ طِمَاحِكَ (النشوز والجماح)، وَيَكُفُّ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ (الحدة)، يَفِيءُ (يرجع) إِلَيْكَ بِمَا عَزَبَ (غاب) عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ!

العدل والإنصاف، وظلم العـباد:

إِيَّاكَ وَمُسَامَاةَ (السمو) اللهِ فِي عَظَمَتِهِ، وَالتَّشَبُّهَ بِهِ فِي جَبَرُوتِهِ، فَإِنَّ اللهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّار، وَيُهِينُ كُلَّ مُخْتَال.

     أَنْصِفِ اللهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ، وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوىً (تميل اليه) مِنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّكَ إِلاَّ تَفْعَلْ تَظْلِمْ، وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللهِ كَانَ اللهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللهُ أَدْحَضَ (أبطل) حُجَّتَهُ، وَكَانَ لله حَرْباً حَتَّى يَنْزع َ(يقلع عن ظلمه) وَيَتُوبَ.

وَلَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللهِ وَتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَة عَلَى ظُلْم، فَإِنَّ اللهَ سَميِعٌ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِينَ، وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ.

سُخْــط الناس:

     وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الاْمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ، وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ، وَأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ، فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى الْخَاصَّةِ (يذهب  برضاهم)، وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ.

     وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ، أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَؤُونَةً فِي الرَّخَاءِ، وَأَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِي الْبَلاَءِ، وَأَكْرَهَ لِلانْصَافِ، وَأَسْأَلَ بِالالْحَافِ(الالحاح والشدة في السؤال)، وَأَقَلَّ شُكْراً عِنْدَ الاعْطَاءِ، وَأَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ، وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ، وَإِنَّمَا عَمُودُ الدِّينِ، وَجِمَاعُ (جماعة) الْمُسْلِمِينَ، وَالْعُدَّةُ لِلاعْدَاءِ، الْعَامَّةُ مِنَ الامَّةِ، فَلْيَكُنْ صِغْوُكَ (الميل) لَهُمْ، وَمَيْلُكَ مَعَهُمْ.

     وَلْيَكُنْ أَبْعَدَ رَعِيَّتِكَ مِنْكَ، وَأشْنَأَهُمْ (أبغضهم) عِنْدَكَ، أَطْلَبُهُمْ لِمَعَائِبِ النَّاسِ، فإنَّ في النَّاسِ عُيُوباً، الْوَالِي أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا، فَلاَ تَكْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا، فَإنَّمَا عَلَيْكَ تَطْهِيرُ مَا ظَهَرَ لَكَ، وَاللهُ يَحْكُمُ عَلَى مَا غَابَ عَنْكَ، فَاسْتُرِ الْعَوْرَةَ مَا اسْتَطَعْتَ يَسْتُرِ اللهُ مِنْكَ ما تُحِبُّ سَتْرَهُ مِنْ رَعِيَّتِكَ.

المُخبِر والواشي:

     أَطْلِقْ عَنِ النَّاسِ عُقْدَةَ كُلِّ حِقْد(احلل عقد الاحقاد من قلوب الناس بحسن السيرة معهم)، وَاقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ كُلِّ وِتْر(العداوة)، وَتَغَابَ (تغافَلْ) عَنْ كلِّ مَا لاَ يَضِحُ(يظهر) لَكَ، وَلاَ تَعْجَلَنَّ إِلَى تَصْدِيقِ سَاع، فَإِنَّ السَّاعِيَ(النمام بمعائب الناس) غَاشٌ، وَإِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ.

المستشار البخيل والجبان:

     وَلاَ تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلاً يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ(الاحسان بالبذل)، وَيَعِدُكَ الْفَقْرَ(يخوفك منه لو بذلت)، وَلاَ جَبَاناً يُضعِّفُكَ عَنِ الامُورِ، وَلاَ حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَه (اشد الحرص) بِالْجَوْرِ، فَإِنَّ الْبُخْلَ وَالْجُبْنَ وَالْحِرْصَ غَرَائِزُ(طبائع متفرقة) شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللهِ.

عدم استخدام مسؤول سابق خائن لشعـبه:

     شَرُّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلاشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيراً، وَمَنْ شَرِكَهُمْ فِي الاْثَامِ، فَلاَ يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَة ً (خاصته وحاشيته)، فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الا ثَمَةِ(المذنبين)، وَإِخْوَانُ الظَّلَمَةِ، وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَاذِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ(الذنب والاثم) وَأَوْزَارِهِمْ(الذنوب) وَ آثَامِهِمْ، مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ، وَلاَ آثِماً عَلَى إِثْمِهِ، أُولئِكَ أَخَفُّ عَلَيْكَ مَؤُونَةً، وَأَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةً، وَأَحْنَى عَلَيْكَ عَطْفاً، وَأَقَلُّ لِغَيْرِكَ إِلْفاً(الالفة والمحبة)، فَاتَّخِذْ أُولئِكَ خَاصَّةً لِخَلَوَاتِكَ وَحَفَلاَتِكَ، ثُمَّ لْيَكُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْحَقِّ لَكَ، وأَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَةً فِيَما يَكُونُ مِنْكَ مِمَّا كَرِه َ اللهُ لاِوْلِيَائِهِ، وَاقِعاً ذلِكَ مِنْ هَوَاكَ حَيْثُ وَقَعَ.

استخدام التقاة الصادقين:

     وَالْصَقْ بِأَهْلِ الْوَرَعِ وَالصِّدْقِ، ثُمَّ رُضْهُمْ(عوّ دهم) عَلَى أَلاَّ يُطْرُوكَ وَلاَ يُبَجِّحُوكَ(يفرحوك بنسبة عمل عظيم اليك ولم تكن فعلته) بِبَاطِل لَمْ تَفْعَلْهُ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الاْطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ(العُجْب)، وَتُدْنِي مِنَ الْعِزَّةِ(الكِبْر).

الإحسان وحسن الظن:

      وَلاَ يَكُونَنَّ الْـمُحْسِنُ وَالْمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَة سَوَاء، فَإِنَّ فِي ذلِكَ تَزْهِيداً لاِهْلِ الاحْسَانِ فِي الاحْسَانِ،تَدْرِيباً لاِهْلِ الاسَاءَةِ عَلَى الاسَاءَةِ، وَأَلْزِمْ كُلاًّ مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ.

وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِأَدْعَى إِلَى حُسْنِ ظَنِّ وَال ٍ بِرَعِيَّتِهِ مِنْ إحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، وَتَخْفِيفِهِ الْمَؤُونَاتِ عَلَيْهِمْ، وَتَرْكِ اسْتِكْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى مَا لَيْسَ لهُ قِبَلَهُمْ (عندهم)، فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذلِكَ أَمْرٌ يَجَتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً(التعب) طَوِيلاً، وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ حَسُنَ بَلاَؤُكَ عِنْدَهُ، وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ سَاءَ بَلاَؤُكَ (صنيعك وفعلك) عِنْدَهُ.

إدامة العمل الجيد السابق:

     وَلاَ تَنْقُضْ سُنَّةً صَالِحَةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هذِهِ الامَّةِ، وَاجْتَمَعتْ بِهَا الالْفَةُ، وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ،لاَ تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَيء مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَنِ، فَيَكُونَ الاجْرُ بِمَنْ سَنَّهَا، وَالْوِزْرُ عَلَيْكَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا.

مجالسة العلماء والخبراء:

     وَأَكْثِرْ مُدَارَسَةَ الَعُلَمَاءِ، وَمُنَافَثَةَ (مجالسة) الْحُكَمَاءِ، فِي تَثْبِيتِ مَا صَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ بِلاَدِكَ، وَإِقَامَةِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ.

     وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لاَ يَصْلُحُ بَعْضُهَا إلاَّ بِبَعْض، وَلاَ غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْض: فَمِنْهَا جُنُودُ اللهِ،مِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَمِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ، وَمِنهَا عُمَّالُ الانْصَافِ وَالرِّفْقِ، وَمِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ وَالْخَراجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُسْلِمَةِ النَّاسِ، وَمِنْهَا التُّجَّارُ وَأَهْلُ الصِّنَاعَاتِ، وَمِنهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَكُلٌّ قَدْ سَمَّى اللهُ سَهْمَهُ (نصيبه من الحق)، وَوَضَعَ عَلَى حَدِّهِ وَفَرِيضَتِهِ فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً.

الأجهزة الأمنية والقضاء:

      فَالْجُنُودُ، بِإِذْنِ اللهِ، حُصُونُ الرَّعِيَّةِ، وَزَيْنُ الْوُلاَةِ، وعِزُّ الدِّينِ، وَسُبُلُ الامْنِ، وَلَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلاَّ بِهِمْ.

ثُمَّ لاَ قِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلاَّ بِمَا يُخْرِجُ اللهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ الَّذِي يَقْوَوْنَ بِهِ فِي جِهَادِ عَدُوِهِمْ، وَيَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيَما أصْلَحهُمْ، وَيَكُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ (يقضي حوائجهم).

     ثُمَّ لاَ قِوَامَ لِهذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ إِلاَّ بِالصِّنْفِ الثَّالِثِ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ وَالْكُتَّابِ، لِمَا يُحْكِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ (العقود القضائية)، وَيَجْمَعُونَ مِنْ الْمَنَافِعِ، وَيُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ مِنْ خَوَاصِّ الامُورِ وَعَوَامِّهَا.

مراعاة التجار والكسبة:

     وَلاَ قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً إِلاَّ بِالتُّجَّارِ وَذَوِي الصِّنَاعَاتِ، فِيَما يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ (المنافع)، وَيُقِيمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ، وَيَكْفُونَهُمْ مِنَ التَّرَفُّقِ(التكسب) بِأَيْدِيهِمْ ممّا لاَ يَبْلُغُهُ رِفْقُ غَيْرِهِمْ.

مراعاة المستضعفين من الناس:

ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ الَّذِينَ يَحِقُّ رِفْدُهُمْ (مساعدتهم وصلتهم) وَمَعُونَتُهُمْ.

وَفِي اللهِ لِكُلّ سَعَةٌ، وَلِكُلٍّ عَلَى الْوَالِي حَقٌ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهُ.

 [وَلَيْسَ يَخْرُجُ الْوَالِي مِنْ حَقِيقَةِ مَا أَلْزَمَهُ اللهُ مِنْ ذلِكَ إِلاَّ بِالاهْتِمامِ وَالاسْتِعَانَةِ بِاللهِ، وَتَوْطِينِ نَفْسِهِ عَلَى لُزُومِ الْحَقِّ، وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ فِيَما خَفَّ عَلَيْهِ أَوْ ثَقُلَ].

قيادة الجيش:

     فَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِكَ لله وَلِرَسُولِهِ وَلاِمَامِكَ، [وَأَنْقَاهُمْ ]جَيْباً (مؤتمنا تقيا)، وَأَفْضَلَهُمْ حِلْماً (العاقل) مِمَّنْ يُبْطِىءُ عَنِ الْغَضَبِ، وَيَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُذْرِ، وَيَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ، وَيَنْبُو عَلَى الاقْوِيَاءِ (يتجافى عنهم ويبعد)، وَمِمَّنْ لاَ يُثِيرُهُ الْعُنْفُ، وَلاَ يَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ.

رعاية وجهاء الناس:

     ثُمَّ الْصَقْ بَذَوِي الْمُرُوءَاتِ وَالاْحْسَابِ، وَأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ، وَالسَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ، ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ، وَالسَّخَاءِ وَالسَّماحَةِ، فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ (مجموع منه)، وَشُعَبٌ (جمع شعبة) مِنَ الْعُرْفِ (المعروف).

ثُمَّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُهُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا، وَلاَ يَتَفَاقَمَنَّ (يعظُم) فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ، وَلاَ تَحْقِرَنَّ لُطْفاً (تستصغرلطفا بسيطا) تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَإِنْ قَلَّ، فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِيحَةِ لَكَ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ.

وَلاَ تَدَعْ تَفَقُّدَ لَطيِفِ أُمُورِهِمُ اتِّكَالاً عَلَى جَسِيمِهَا، فَإِنَّ لِلْيَسِيرِ مِنْ لُطْفِكَ مَوْضِعاً يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَلِلْجَسِيمِ مَوْقِعاً لاَ يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ.

صفاة قادة الجيش ورعايتهم للجنود:

      وَلْيَكُنْ آثَرُ (أفضل وأعلى منزلة) رُؤوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ (ساعدهم بمعونته لهم) فِي مَعُونَتِهِ، وَأَفْضَلَ عَلَيْهِمْ  مِنْ جِدَتِهِ (أفاض عليهم من غناه) بِمَا يَسَعُهُمْ يَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِيهِمْ (وهو من يبقى في الحي من النساء والعَجَزَة بعد سفر الرجال)، حَتَّى يَكُونَ هَمُّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ، فَإِنَّ عَطْفَكَ عَلَيْهِمْ يَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكَ.

العـدل والتواصل مع الناس:

      [وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ الْوُلاَةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِي الْبِلاَدِ، وَظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِيَّةِ، وَإِنَّهُ لاَ تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلاَّ بَسَلاَمَةِ صُدُورِهِمْ،] وَلاَ تَصِحُّ نَصِيحَتُهُمْ إِلاّ بِحِيطَتِهِمْ (بمعنى حفظه وصانه) عَلَى وُلاَةِ أُمُورِهِمْ، وَقِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دُوَلِهِمْ، وَتَرْكِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ.

فَافْسَحْ فِي آمَالِهِمْ، وَوَاصِلْ فِي حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، وَتَعْدِيدِ مَا أَبْلى ذَوُوالْبَلاَءِ (أهل الاعمال العظيمة) مِنْهُمْ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ، وَتُحَرِّضُ النَّاكِلَ (المتأخرالقاعد)، إِنْ شَاءَ اللهُ.

ثُمَّ اعْرِفْ لِكُلِّ امْرِىء مِنْهُمْ مَا أَبْلى، وَلاَ تَضُمَّنَّ بَلاَءَ امْرِىء (صنيعه) إِلَى غَيْرِهِ، وَلاَ تُقَصِّرَنَّ بِهِ دُونَ غَايَةِ بَلاَئِهِ، وَلاَ يَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِىء إِلَى أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلاَئِهِ مَا كَانَ صَغِيراً، وَلاَضَعَةُ امْرِىء إِلَى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلاَئِهِ ماكَانَ عَظيِماً.

وَارْدُدْ إِلَى الله وَرَسُولِهِ مَا يُضْلِعُكَ مِنَ الْخُطُوبِ (الامور الجسام)، وَيَشْتَبِهُ عَلَيْكَ مِنَ الامُورِ، فَقَدْ قَالَ اللهُ سبحانه لِقَوْم أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الامْرِ مِنْكُمْ فَإنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ)، فَالرَّدُّ إِلَى اللهِ: الاخْذُ بِمُحْكَمِ كِتَابِهِ (نصّه الصريح)، وَالرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ: الاخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ.

اختيار المدراء والقضاة:

     ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لاَ تَضِيقُ بِهِ الامُورُ، وَلاَ تُمَحِّكُهُ الْخُصُومُ (لجّ في الخصومة، وأصرّ على رأيه)، وَلاَ يَتَمادَى (يستمر ويسترسل) فِي الزَّلَّةِ (السقطة في الخطأ)، وَلاَ يَحْصَرُ(لا يعيا في المنطق) مِنَ الْفَيْءِ (الرجوع إلى الحق) إِلَى الْحَقِّ إذَا عَرَفَهُ، وَلاَ تُشْرِفُ نَفْسُهُ  عَلَى طَمَع، وَلاَ يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهْم دُونَ أَقصَاهُ (أقربه وأبعده)، أَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ ، وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ، وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً (الملل والضجر) بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُّفِ الامُورِ، وَأَصْرَمَهُمْ (أقطعهم للخصومة وأمضاهم) عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ، مِمَّنْ لاَ يَزْدَهِيهِ إطْرَاءٌ (لا يستخفه زيادة الثناء عليه)، وَلاَ يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ،أُولئِكَ قَلِيلٌ.

ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ (تتبعه بالاستكشاف والتعرف) قَضَائِهِ، وافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزيِلُ عِلَّتَهُ (أوْسِع له في العطاء بما يكفيه)، وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ، وَأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لاَ يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ، لِيَأْمَنَ بِذلَكَ اغْتِيَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكَ.

فَانْظُرْ فِي ذلِكَ نَظَراً بِلِيغاً، فَإِنَّ هذَا الدِّينَ قَدْ كَانَ أَسِيراً فِي أَيْدِي الاشْرَارِ، يُعْمَلُ فِيهِ بِالْهَوَى، وَتُطْلَبُ بِهِ الدُّنْيَا.

اختيار الولاة (المحافظين):

     ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِكَ، فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَاراً (بالامتحان)، وَلاَ تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً (من الميل الشخصي) وأَثَرَةً (استبداداً بلا مشورة)، فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَالْخِيَانَةِ.

وَتوَخَّ (اطلب وتحرّ) مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ وَالْحَيَاءِ، مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ، وَالْقَدَمِ (السابقون) فِي الاسْلاَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّهُمْ أَكْرَمُ أَخْلاَقاً، وَأَصَحُّ أَعْرَاضاً، وَأَقَلُّ فِي الْمَطَامِعِ إِشْرَافاً، وَأَبْلَغُ فِي عَوَاقِبِ الامُورِ نَظَراً.

     ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِمُ الارْزَاقَ (أوسع لهم فيه)، فَإِنَّ ذلِكَ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلاَحِ أَنْفُسِهِمْ، وَغِنىً لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ، وَحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَكَ (نقصوا في أدائها أوخانوا).

مراقبة أعمال المحافظ والمسؤولين المقربين:

     ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ، وَابْعَثِ الْعُيُونَ (الرقباء) مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالوَفَاءِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِّرِّ لامُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ (سَوق لهم وحثّ) عَلَى اسْتِعْمَالِ الامَانَةِ، وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ.

     وَتَحَفَّظْ مِنَ الاعْوَانِ، فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَى خِيَانَة اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُيُونِكَ، اكْتَفَيْتَ بِذلِكَ شَاهِداً، فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ، وَأَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ، ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ، وَ وَسَمْتَهُ بِالْخِيانَةِ، وَقَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَةِ.

متابعة الضرائب وإعمار البنى التحتية:

     وَتفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ، فَإِنَّ فِي صلاَحِهِ وَصلاَحِهِمْ صَلاَحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ، وَلاَ صَلاَحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلاَّ بِهِمْ، لانَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَأَهْلِهِ.

     وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الارْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلاَبِ  الْخَرَاجِ، لاِنَّ ذلِكَ لاَ يُدْرَكُ إِلاَّ بَالْعِمَارَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَة أَخْرَبَ الْبِلاَدَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلاَّ قَلِيلاً.

توفيرُ الخدمات للناس أوّلا ثم الضرائب:

        فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلاً أَوْ عِلَّةً (نزول علة سماوية بزرعهم أضرت بثمراته)، أَوِ انْقِطَاعَ شِرْب (ماء السقى من الانهار) أَوْ بَالَّة (ما يبلّ الارض من ندى ومطر- سقي الديم)، أَوْ إِحَالَةَ أَرْض  اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ (كالفيضانات)، أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ (الجفاف)، خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِما تَرْجُو أَنْ يصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ، وَلاَ يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ شَيْءٌ خَفَّفْتَ بِهِ الْمَؤُونَةَ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْكَ فِي عِمَارَةِ بِلادِكَ، وَتَزْيِينِ وِلاَيَتِكَ، مَعَ اسْتِجْلاَبِكَ حُسْنَ ثَنَائِهِمْ، وَتَبَجُّحِكَ  بِاسْتِفَاضَةِ الْعَدْلِ فِيهِمْ (إدّعاؤك بالنجاح في نشر العدل بينهم)، مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ (زيادة قوتهم عماداً لك تستند اليه عند الحاجة)، بِمَا ذَخَرْتَ (وفّرْت) عِنْدَهُمْ مِنْ إِجْمَامِكَ لَهُمْ (الترفيه والاراحة)، وَالثِّقَةَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ فِي رِفْقِكَ بِهِمْ، فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الامُورِ مَا إِذَا عَوَّلْتَ فِيهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ احْتَمَلُوهُ طَيِّبَةً أَنْفُسُهُمْ بِهِ، فإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلٌ مَا حَمَّلْتَهُ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الارْضِ مِنْ إِعْوَازِ(الفقر والحاجة) أَهْلِهَا، إِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لاِشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلاَةِ عَلَى الْجَمْعِ (لتطلع أنفسهم إلى جمع المال، ادخاراً لما بعد زمن الولاية إذا عزلوا)، وَسُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ، وَقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ.

اختيار السكرتير والجهاز الإداري والمالي:

     ثُمَّ انْظُرْ فِي حَالِ كُتَّابِكَ، فَوَلِّ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ، وَاخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتِي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَائِدَكَ وأَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُودِ صَالِحِ الاخْلاَقِ مِمَّنْ لاَ تُبْطِرُهُ (لا تطغيه) الْكَرَامَةُ، فَيَجْتَرِىءَ بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلاَف لَكَ بِحَضْرَةِ مَلاَ (جماعة من الناس تملا البصر- مع الجمهور بغيابك)، وَلاَ تُقَصِّرُ بِهِ الْغَفْلَةُ  عَنْ إِيرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمَّالِكَ عَلَيْكَ، وَإِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوابِ عَنْكَ، وَفِيَما يَأْخُذُ لَكَ وَيُعْطِي مِنْكَ، وَلاَ يُضعِفُ عَقْداً اعْتَقَدَهُ لَكَ (معاملة عقدها لمصلحتك)، وَلاَ يَعْجِزُ عَنْ إِطْلاَقِ مَا عُقِدَ عَلَيْكَ (إذا وقعت مع أحد في عقد كان ضرره عليك لا يعجز عن حل ذلك العقد)، وَلاَ يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفسِهِ فِي الامُورِ، فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بَقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ.

   ثُمَّ لاَ يَكُنِ اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ (قوة الظن وحسن النظر في الامور) وَاسْتِنَامَتِكَ (السكون والثقة) وَحُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ، فَإِنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّفُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلاَةِ (أي يتوسلون اليها لتعرفهم) بِتَصَنُّعِهِمْ (بتكلفهم إجادة الصنعة) وَحُسْنِ خِدْمَتِهِمْ، لَيْسَ وَرَاءَ ذلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ وَالامَانَةِ شَيْءٌ، وَلكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وَلُوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ، فَاعْمِدْ لاِحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَراً، وَأَعْرَفِهِمْ بِالامَانَةِ وَجْهاً، فَإِنَّ ذلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَصِيحَتِكَ لله وَلِمَنْ وَلِيتَ أَمْرَهُ.

وَاجْعَلْ لِرَأْسِ كُلِّ أَمْر مِنْ أُمُورِكَ رَأْساً مِنْهُمْ، لاَ يَقْهَرُهُ كَبِيرُهَا، وَلاَ يَتَشَتَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُهَا، وَمَهْمَا كَانَ فِي كُتَّابِكَ مِنْ عَيْب فَتَغَابَيْتَ (تغافلت) عَنْه أُلْزِمْتَهُ.

التجارة والصناعة:

     ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتُّجَّارِ وَذَوِي الصِّنَاعَاتِ، وَأَوْصِ بِهِمْ خَيْراً: الْمُقِيمِ مِنْهُمْ، وَالْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ (المتردد به بين البلدان)، وَالْمُتَرَفِّقِ(المكتسب) بِبَدَنِهِ، فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِع ِ، وَأَسْبَابُ الْمَرَافِقِ (ما ينتفع به من الادوات والانية)، وَجُلاَّبُهَا مِنَ الْمَباعِدِ وَالْمَطَارِحِ (الاماكن البعيدة)، فِي بَرِّكَ وَبَحْرِكَ، وَسَهْلِكَ وَجَبَلِكَ، وَحَيْثُ لاَ يَلْتَئِمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا (لايمكن وصول الناس اليها)، وَلاَ يَجْتَرِئُونَ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ (أي أن التجار والصناع مسالمون) لاَ تُخَافُ بَائِقَتُهُ (دهاؤه)، وَصُلْحٌ لاَ تُخْشَى غَائِلَتُهُ، وَتَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ وَفِي حَوَاشِي بِلاَدِكَ.

منع الإحتكار ومعاقبة المحتكر:

       وَاعْلَمْ ـ مَعَ ذلِكَ ـ أَنَّ فِي كَثِير مِنْهُمْ ضِيقاً (عسر المعاملة) فَاحِشاً (كبيرا)، وَشُحّاً (بخلاً) قَبِيحاً، وَاحْتِكَاراً (حبس الطعام ونحوه عن الناس لا يسمحون به إلا بأثمان فاحشة) لِلْمَنَافِعِ، وَتَحَكُّماً فِي الْبِيَاعَاتِ، وَذلِكَ بَابُ مَضَرَّة لِلْعَامَّةِ، وَعَيْبٌ عَلَى الْوُلاَةِ، فَامْنَعْ مِنَ الاْحْتِكَارِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ مَنَعَ مِنْهُ.

     وَلْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً: بِمَوَازِينِ عَدْل، وَأَسْعَار لاَ تُجْحِفُ بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ (المشتري)، فَمَنْ قَارَفَ (خالط) حُكْرَةً (الاحتكار) بَعْدَ نَهْيِكَ إِيَّاهُ فَنَكِّلْ (عاقبه)، وَعَاقِبْ فِي غَيْرِ إِسْرَاف (تجاوز حد العدل).

رعاية ذوي الدخل المحدود من الناس:

         ثُمَّ اللهَ اللهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لاَ حِيلَةَ لَهُمْ وَالْمَسَاكِين وَالْـمُحْتَاجِينَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَى (شديدوا الفقر) وَالزَّمْنَى (جمع زمين وهو المصاب بالزَمانة ـ بفتح الزاي ـ أي العاهة)، فإِنَّ فِي هذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً (السائل) وَمُعْتَرّاً (المتعرض للعطاء بلا سؤال)، وَاحْفَظْ لله مَا اسْتَحْفَظَكَ (طلب منك حفظه) مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ، وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسمْاً مِنْ بَيْتِ مَالِكَ، وَقِسماً مِنْ غَلاَّتِ (ثمرات) صَوَافِي (جمع صافية، وهي أرض الغنيمة) الاْسْلاَمِ فِي كُلِّ بَلَد، فإِنَّ لِلاقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِلادْنَى، وَكُلٌّ قَدِ اسْتُرْعِيتَ حَقَّهُ، فَلاَ يَشْغَلنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرٌ (طغيان بالنعمة)، فَإِنَّكَ لاَ تُعْذَرُ بِتَضْيِيعِ التَّافِهَ (البسيط الحقير) لاِحْكَامِكَ الْكَثِيرَ الْمُهِمَّ.

     فَلاَ تُشْخِصْ هَمَّكَ (اهتمامك عن ملاحظة شؤونهم) عَنْهُمْ، وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لَهُمْ (أماله إعجاباً وكبراً)، وَتَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لاَ يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْهُمْ مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُيُونُ (تكره أن تنظر اليه احتقاراً وازدراءً)، وَتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ، فَفَرِّغْ لاِولئِكَ ثِقَتَكَ (اجعل للبحث عنهم أشخاصاً يتفرغون لمعرفة أحوالهم يكونون ممن تثق بهم) مِنْ أَهْلِ الْخَشْيَةِ وَالتَّوَاضُع، فَلْيَرْفَعْ إِلَيْكَ أُمُورَهُمْ، ثُمَّ اعْمَلْ فِيهِمْ بَالاعْذَارِ إِلَى اللهِ تَعَالَى (بما يقدم لك عذراً عنده) يَوْمَ تَلْقَاهُ، فَإِنَّ هؤُلاَءِ مِنْ بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَحْوَجُ إِلَى الانصَافِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكُلٌّ فَأَعْذِرْ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي تَأْدِيَةِ حَقِّهِ إِلَيهِ.

رعاية الايتام والمسنين:

        وَتَعَهَّدْ أَهْلَ الْيُتْمِ وَذَوِي الرِّقَّةِ فِي السِّنِّ (المتقدمون فيه) مِمَّنْ لاَ حِيلَةَ لَهُ، وَلاَ يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ، وَذلِكَ عَلَى الْوُلاَةِ ثَقِيلٌ، وَالْحَقُّ كُلُّهُ ثَقِيلٌ، وَقَدْ يُخَفِّفُهُ اللهُ عَلَى أَقْوَام طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَرُوا أَنْفُسَهُمْ، وَوَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللهِ لَهُمْ.

لقاء المسؤول المباشر مع الناس وآدابه:

        وَاجْعلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ (المتظلمين تتفرغ لهم فيه بشخصك للنظر في مظالمهم) مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً، فَتَتَواضَعُ فِيهِ لله الَّذِي خَلَقَكَ، وَتُقعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ (لايتعرض لهم جندك) وَأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ  وَشُرَطِكَ، حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَعْتِع (غيرمتردد أو خائف عن التعبيربما عنده)، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِن (في مواطن كثيرة): "لَنْ تُقَدَّسَ  أُمَّةٌ لاَ يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَعْتِع". ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ (العنف ضد الرفق) مِنْهُمْ وَالْعِيَّ (العجز عن النطق)، وَنَحِّ عَنْكَ الضِّيقَ (أبعد عنك ضيق الصدر بسوء الخلق) وَالانَفَ (الاستنكاف والاستكبار)، يَبْسُطِ اللهُ عَلَيْكَ بَذلِكَ أَكْنَافَ (أطراف) رَحْمَتِهِ، وَيُوجِبُ لَكَ ثَوَابَ طَاعَتِهِ، وَأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَ هَنِيئاً (سهلاً لا تخشنه باستكثاره والمن به)، وَامْنَعْ فِي إِجْمَال وَإِعْذَار (إذا منعت فامنع بلطف وتقديم عذر)!

إجابة المسؤولين في درجة اسفـل:

        ثُمَّ أُمُورٌ مِنْ أُمُورِكَ لاَ بُدَّ لَكَ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا: مِنْهَا إِجَابَةُ عُمَّالِكَ بِمَا يَعْيَا (يعجز)عَنْهُ كُتَّابُكَ، وَمِنْهَا إِصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاسِ عِنْدَ وَرُودِهَا عَلَيْكَ مِمَّا تَحْرَجُ بِهِ صُدُورُ أَعْوَانِكَ (الاعوان تضيق صدورهم بتعجيل الحاجات، ويحبون المماطلة في قضائها استجلاباً للمنفعة، أوإظهاراً للجبروت).

جدولة العمل اليومي وبذل الجهد:

       وَأَمْضِ لِكُلِّ يَوْم عَمَلَهُ، فإِنَّ لِكُلِّ يَوْم مَا فِيهِ، وَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ فِيَما بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ تعالى أَفْضَلَ تِلْكَ الْمَوَاقِيتِ، وَأَجْزَلَ (أعظم) تِلْكَ الاقْسَامِ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا لله إِذَا صَلَحَتْ فيهَا النِّيَّةُ، وَسَلِمَتْ مِنْهَا الرَّعِيَّةُ.

     وَلْيَكُنْ فِي خَاصَّةِ مَا تُخْلِصُ لله بِهِ دِينَكَ: إِقَامَةُ فَرَائِضِهِ الَّتي هِيَ لَهُ خَاصَّةً، فَأَعْطِ اللهَ مِن بَدَنِكَ فِي لَيْلِكَ وَنَهَارِكَ، وَوَفِّ مَا تَقَرَّبْتَ بِهِ إِلَى اللهِ مِنْ ذلِكَ كَاملاً غَيْرَ مَثْلُوم (مخدوش بشيء من التقصير ولا مخرق بالرياء) وَلاَ مَنْقُوص، بَالِغاً مِنْ بَدَنِكَ مَا بَلَغَ.

إمامة الناس في الصلاة وبساطتها:

       وَإِذَا قُمْتَ فِي صلاَتِكَ لِلنَّاسِ، فَلاَ تَكُونَنَّ مُنَفّرِاً وَلاَ مُضَيِّعاً (لا تُطِل الصلاة فتكرّه بها الناس ولا تضيع منها شيئاً بالنقص في الاركان، بل التوسط خير)، فَإِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ بِهِ الْعِلَّةُ وَلَهُ الْحَاجَةُ. وَقَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ حِينَ وَجَّهَنِي إِلَى الَيمنِ كَيْفَ أُصَلِّي بِهِمْ؟ فَقَالَ: "صَلِّ بِهِمْ كَصَلاَةِ أَضْعَفِهِمْ، وَكُنْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً".

إطالة الإحتجاب عن الناس يخلق الإشاعات:

       وَأَمَّا بَعْدَ هذا، فَلاَ تُطَوِّلَنَّ احْتِجَابَكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلاَةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ شُعْبَةٌ مِنَ الضِّيقِ، وَقِلَّةُ عِلْم بِالامُورِ، وَالاحْتِجَابُ مِنْهُمْ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دوُنَهُ فَيَصْغُرُ عِندَهُمْ الْكَبِيرُ، وَيَعْظَمُ الصَّغِيرُ، وَيَقْبُحُ الْحَسَنُ، وَيَحْسُنُ الْقَبِيحُ، وَيُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، وَإِنَّمَا الْوَالِي بَشَرٌ لاَ يَعْرِفُ مَا تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الامُورِ، وَلَيْسَتْ عَلَى الْحَقِّ سِمَاتٌ (علامات) تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الْكَذِبِ، وَإِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْن ِ: إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَذْلِ (العطاء) فِي الْحَقِّ، فَفِيمَ احْتِجَابُكَ مِنْ وَاجِبِ حَقٍّ تُعْطِيهِ، أَوْ فِعْل كَرِيم تُسْدِيهِ، أَوْ مُبْتَلَىً بِالْمَنعِ، فَمَا أَسْرَعَ كَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِكَ إِذَا أَيِسُوا  مِنْ بَذْلِكَ! مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَيْكَ [مـ] ما لاَ مَؤُونَةَ فِيهِ عَلَيْكَ، مِنْ شَكَاةِ (شكاية) مَظْلِمَة، أَوْ طَلَبِ إِنْصاف فِي مُعَامَلَة.

الحذر من الحاشية ومراقبتهم:

       ثُمَّ إِنَّ لِلْوَالِي خَاصَّةً وبِطَانَةً، فِيهِمُ اسْتِئْثَارٌ وَتَطَاوُلٌ، وَقِلَّةُ إِنْصَاف [فِي مُعَامَلَة، ]فَاحْسِمْ (منعهم من التصرف في شؤون العامة بالتعدّي) مَادَّةَ أُولئِكَ بِقَطْعِ أَسْبَابِ تِلْكَ الاحْوَالِ، وَلاَ تُقْطِعَنَّ (المنحة من الارض) لاِحَد مِنْ حَاشِيتِكَ وَحَامَّتِكَ (الخاصّة والقرابة) قَطِيعةً، وَلاَ يَطْمَعَنَّ مِنْكَ فِي اعْتِقَادِ (الامتلاك) عُقْدَة، تَضُرُّ بِمَنْ يَلِيهَا مِنَ النَّاسِ، فِي شِرْب (النصيب في الماء) أَوْ عَمَل مُشْتَرَك، يَحْمِلُونَ مَؤُونَتَهُ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَيَكُونَ مَهْنَأُ ذلِكَ (منفعته الهنيئة) لَهُمْ دُونَكَ، وَعَيْبُهُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ.

      وَأَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَكُنْ فِي ذلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً، وَاقِعاً ذلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ خَاصَّتِكَ حَيْثُ وَقَعَ، وَابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا يَثْقُلُ عَلَيْكَ مِنْهُ، فَإِنَّ مَغَبَّةَ (عاقبة) ذلِكَ مَحْمُودَةٌ.

     وَإِنْ ظَنَّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفاً (ظلماً)، فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذْرِكَ (بيّن عذرك فيه)، وَاعْدِلْ (أبعِد) عَنكَ ظُنُونَهُمْ بِإِصْحَارِكَ، فَإِنَّ فِي ذلِكَ [رِيَاضَةً (تعويداً لنفسك على العدل) مِنْكَ لِنَفْسِكَ، وَرِفْقاً بِرَعِيَّتِكَ،وَ] إِعْذَارا ً(تقديم العذر أوإبداؤه) تَبْلُغُ فِيه حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِيمِهِمْ عَلَى الْحَقِّ.

الركون الى السلم والصلح ومنع الحرب:

       وَلاَ تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّ كَ لله فِيهِ رِضىً، فإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً (الراحة) لِجُنُودِكَ، وَرَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ، وأَمْناً لِبِلاَدِكَ، وَلَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكِ بَعْدَ صُلْحِهِ، فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ (يغدرك في غفلة)، فَخُذْ بِالْحَزْمِ، وَاتَّهِمْ فِي ذلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ.

الحفاظ على العهـد مع العـدو:

      وَإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَدُوّ لَكَ عُقْدَةً، أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً (عهداً)، فَحُطْ عَهْدَكَ (إحفظه وصنه) بِالْوَفَاءِ، وَارْعَ ذِمَّتَكَ بِالامَانَةِ، وَاجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةً (ضحّ بنفسك دون عهدك) دُونَ مَا أَعْطَيْتَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللهِ عزوجلّ شَيْءٌ النَّاسُ أَشدُّ عَلَيْهِ اجْتِماعاً، مَعَ تَفْرِيقِ أَهْوَائِهِمْ، وَتَشْتِيتِ آرَائِهِمْ، مِنَ تَعْظيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ، وَقَدْ لَزِمَ ذلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيَما بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ لِمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ(وجدوها وَبيلة، مهلكة)، فَلاَ تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ، وَلاَ تَخِيسَنَّ بَعَهْدِكَ (خاس بعهده: خانه ونقضه)، وَلاَ تَخْتِلَنَّ (تخادع) عَدُوَّكَ، فَإِنَّهُ لاَ يَجْتَرِىءُ عَلَى اللهِ إِلاَّ جَاهِلٌ شَقِيٌّ.

صفة وثيقة العهـد:

     وَقَدْ جَعَلَ اللهُ عَهْدَهُ وَذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ (أفشاه) بَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ، وَحَرِيماً (ما حرم عليك أن تمسه) يَسْكُنُونَ إِلَى مَنَعَتِهِ (ما تمتنع به من القوة)، يَسْتَفِيضُونَ (يفزعون اليه بسرعة) إِلَى جِوَارِهِ، فَلاَ إِدْغَالَ (افساد)، وَلاَ مُدَالَسَةَ (خيانة)، وَلاَ خِدَاعَ فِيهِ، وَلاَ تَعْقِدْ عَقْداً تَجُوزُ فِيهِ الْعِلَلُ (وذلك يطرأ على الكلام عند إبهامه وعدم صراحته)، وَلاَ تُعَوِّلَنَّ عَلَى لَحْنِ القَوْل (ما يقبل التوجيه كالتورية والتعريض) بَعْدَ التَّأْكِيدِ وَالتَّوْثِقَةِ، وَلاَ يَدْعُوَنَّكَ ضِيقُ أَمْر لَزِمَكَ فِيهِ عَهْدُ اللهِ، إِلَى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، فَإنَّ صَبْرَكَ عَلَى ضِيق تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَفَضْلَ عَاقِبَتِهِ، خَيْرٌ مِنْ غَدْر تَخَافُ تَبِعَتَهُ، وَأَنْ تُحِيطَ بِكَ مِنَ اللهِ فِيهِ طَلِبَةٌ (مطالبة الله إياك بحقه في الوفاء الذي غدرت به)، لاَتَسْتَقِيلُ فِيهَا دُنْيَاكَ وَلاَ آخِرَتَكَ.

حفظ حرمة دم المواطن:

        إِيَّاكَ وَالدَّمَاءَ وَسَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلِّهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى لِنِقْمَة، وَلاَ أَعْظَمَ لِتَبِعَة، وَلاَ أَحْرَى بِزَوَالِ نِعْمَة، وَانْقِطَاعِ مُدَّة، مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقِّهَا، وَاللهُ سُبْحَانَهُ مُبْتَدِىءٌ بِالْحُكْمِ بَيْنَ الْعِبَادِ، فِيَما تَسَافَكُوا مِنَ الدِّمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامةِ، فَلاَ تُقَوِّيَنَّ سُلْطَانَكَ بِسَفْكِ دَم حَرَام، فَإِنَّ ذلِكَ مِمَّا يُضْعِفُهُ وَيُوهِنُهُ، بَلْ يُزيِلُهُ وَيَنْقُلُهُ، وَلاَ عُذْرَ لَكَ عِنْدَ اللهِ وَلاَ عِنْدِي فِي قَتْلِ الْعَمدِ، لاِنَّ فِيهِ قَوَدَ (قصاص) الْبَدَنِ، وَإِنِ ابْتُلِيتَ بِخَطَإ وَأَفْرَطَ عَلَيْكَ سَوْطُكَ (أَردت تأديباً فأعْقَبَ قتلاً) [أَوْ سَيْفُكَ] أَوْ يَدُكَ بِعُقُوبَة، فَإِنَّ فِي الْوَكْزَةِ (اللكمة) فَمَا فَوْقَهَا مَقْتَلَةً، فَلاَ تَطْمَحَنَّ بِكَ (ترتفِعَنّ بك) نَخْوَةُ سُلْطَانِكَ عَنْ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُول حَقَّهُمْ.

النهي عن المِنّةِ وإعجاب المسؤول بنفسه:

       وَإِيَّاكَ وَالاعْجَابَ بِنَفْسِكَ، وَالثِّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا، وَحُبَّ الاطْرَاءِ (المبالغة في الثناء)، فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ، لِـيَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْـمُحْسِنِينَ.

وَإِيَّاكَ وَالْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ، أَوِ التَّزَيُّدَ (إظهار الزيادة في الاعمال للافتخار) فِيَما كَانَ مِنْ فِعْلِكَ، أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعِدَكَ بِخُلْفِكَ، فَإِنَّ الْمَنَّ يُبْطِلُ الاحْسَانَ، وَالتَّزَيُّدَ يَذْهَبُ بِنُورِ الْحَقِّ، وَالخُلْفَ يُوجِبُ الْمَقْتَ (البغض والسخط) عِنْدَاللهِ وَالنَّاسِ، قَالَ اللهُ سبحانه: (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ)

نهي المسؤول عن التسرّع والاستئثار:

      [و] إيَّاكَ وَالْعَجَلَةَ بِالامُورِ قَبْلَ أَوَانِهَا، أَوِ التَّسَاقُطَ فِيهَا عِنْدَ إِمْكَانِهَا، أَوِ الَّلجَاجَةَ فِيهَا إِذا تَنَكَّرَتْ (الاصرار على النزاع)، أَوِ الْوَهْنَ (الضعف) عَنْهَا إذَا اسْتَوْضَحَتْ، فَضَعْ كُلَّ أَمْر مَوْضِعَهُ، وَأَوْقِعْ كُلَّ عَمَل مَوْقِعَهُ.

وَإيَّاكَ وَالاْسْتِئْثَارَ (تخصيص النفس بزيادة) بِمَا النَّاسُ فِيهِ أُسْوَةٌ (متساوون)، وَالتَّغَابِيَ (التغافل) عَمَّا تُعْنَى بِهِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُيُونِ، فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْكَ لِغَيْرِكَ، وَعَمَّا قَلَيل تَنْكَشِفُ عَنْكَ أَغْطِيَةُ الامُورِ، وَيُنْتَصَفُ مِنْكَ لِلْمَظْلُومِ، امْلِكْ حَمِيَّةَ أَنْفِكَ (الشموخ والإباء)، وَسَوْرَةَ (الحِدة) حَدِّكَ (البأس)، وَسَطْوَةَ يَدِكَ، وَغَرْبَ لِسَانِكَ (حَدّ اللسان كحد السيف)، وَاحْتَرِسْ مِنْ كُلِّ ذلِكَ بِكَفِّ الْبَادِرَةِ (ما يبدومن اللسان عند الغضب من سباب ونحوه)، وَتَأْخِيرِ السَّطْوَةِ، حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُكَ فَتَمْلِكَ الاْخْتِيَارَ، وَلَنْ تَحْكُمْ ذلِكَ مِنْ نَفْسِكَ حَتَّى تُكْثِرَ هُمُومَكَ بِذِكْرِ الْمَعَادِ إِلَى رَبِّكَ.

الإتّعاظ بسلوك الحكومات السابقة:

     وَالْوَاجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَذَكَّرَ مَا مَضَى لِمَنْ تَقَدَّمَكَ: مِنْ حُكُومَة عَادِلَة، أَوْ سُنَّة فَاضِلَة، أَوْ أَثَر عَنْ نَبِيِّنَا أَوْفَرِيضَة فِي كِتَابِ اللهِ، فَتَقْتَدِيَ بِمَا شَاهَدْتَ مِمَّا عَمِلْنَا بِهِ فِيهَا، وَتَجْتَهِدَ لِنَفْسِكَ فِي اتِّبَاعِ مَا عَهِدْتُ إِلَيْكَ فِي عهْدِي هذَا، وَاسْتَوْثَقْتُ بِهِ مِنَ الْحُجَّةِ لِنَفْسِي عَلَيْكَ، لِكَيْلاَ تَكُونَ لَكَ عِلَّةٌ عِنْدَ تَسَرُّعِ نَفْسِكَ إِلَى هَوَاهَا، فَلَنْ يَعْصِمَ مِنَ السُّوءِ وَلاَ يُوَفِّقَ لِلْخَيْرِ إلاَّ اللهُ تَعَالى.

عليّ يُذكّر مالكاً بوصية الرسول محمد (صلى الله عليه واله):

     وَقَدْ كَانَ فِيَما عَهدَ إليَّ رَسُولُهُ فِي وَصَايَاهُ: "تَحضيضاً عَلَى الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ"، فَبِذَلِكَ أَخْتِمُ لَكَ مَا عَهِدَ، وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللهِ العَظِيمِ.

يدعو لنفسه ولمالك بالتوفيق و عاقبة الشهادة:

     وَأَنَا أَسْأَلُ اللهَ بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ، وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلَى إِعْطَاءِ كُلِّ رَغْبَة، أَنْ يُوَفِّقَنِي وَإِيَّاكَ لِمَا فيهِ رِضَاهُ مِنَ الاقَامَةِ عَلَى الْعُذْرِ الْوَاضِحِ إِلَيْهِ وَإِلَى خَلْقِهِ، مَعَ حُسْنِ الثَّنَاءِ فِي الْعِبَادِ، وَجَمِيلِ الاثَرِ فِي الْبَلاَدِ، وَتَمَامِ النِّعْمَةِ، وَتَضْعِيفِ الْكَرَامَةِ (زيادة الكرامة اضعافاً)، وَأَنْ يَخْتِمَ لِي وَلَكَ بالسَّعَادَةِ وَالشَّهَادَةِ، إِنَّا إِلَيْهِ رَاغِبُونَ، وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ كثيراً.

 

 

 

---------------------------------------------------------

[1] قام مشكوراً مستشار الشؤون السياسية في بعثة الأمم المتحدة في العراق الأستاذ (فليح سوادي) بجعل عهد الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) الى مالك الأشتر كبرنامج عمل متكامل للأسرة والمؤسسات والدوائر وحتى الحكومات، ولإتمام الفائدة للقاصي والداني اختار الأستاذ سوادي ترجمة هذا العهد  باللغة الانكليزية من أحد المواقع الرصينة علمياً:

وهي ترجمة لغة الأمم، وقد أضفنا  عليه تعريف بسيط بشخصية الإمام علي (عليه السلام)، وشخصية الصحابي مالك الأشتر رضوان الله عليه ومن الله التوفيق.

إن هذا المنهاج فيه تعليمات للمسؤول في تربية نفسه على إدارة شؤون من هم تحت رئاسته، فهو يصلح للام وللاب في الأسرة، وللمدير والمسؤول في دائرته، ويصلح كذلك لذوي المناصب العالية والسيادية والمسؤولين في الجيش والشرطة، وهذه مقتطفات من العهد ثم يليها النص الكامل مع تبويب مضامينه للإطلاع على الكنوز المخفية في هذا العهد.

تـوضـيـح

قمتُ بوضع تبويبات لهذا العهد لتسهيل عملية فهم فحوى نصوصه.

ثم وضعتُ معنى الكلمات الصعـبة بين قـوسين وبنمـط خط أصغـر لفصلها عن متن العهد الأصلي.

[2] مالك الأشتر: مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن سلمة بن ربيعة النخعي، ولقب بالأشتر لأن احدى عينيه (شترت) اي شقت في معركة اليرموك، ولد ما بين سنة (25 ـ 30) قبل الهجرة، عاصر مالك الأشتر النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) ولكنه لم يره ولم يسمع حديثه، وقد ذكر عند النبي (صلى الله عليه وآله) فقال فيه (صلى الله عليه وآله): أنه المؤمن حقاً وهذه شهادة ما بعدها شهادة، كان مالك من بين المجاهدين الذين شاركوا في حروب الردة وفي الفتوحات الإسلامية فقد كان له دور كبير في معركة اليرموك التي دارت بين المسلمين والروم سنة 13هـ، وكان الأشتر لسان صدق فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لما اصاب الدولة الإسلامية من الانشقاق والفتن والانحراف وكان ولاءه للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كبيرا فكان جنديا مخلصاً وفياً لم يفارق الإمام قط قبل توليه الخلافة وبعدها .. وبعد تولي الإمام لخلافة المسلمين سنة 36هـ جعله ولياً على مصر وأرسله إلى أهل مصر ومعه شهادة من إمام المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام):

(أما بعد فقد بعثت إليكم عبداً من عباد الله لا ينام أيام الخوف ولا ينكل من الأعداء ساعات الروح، أشد على الفجار من حريق النار).

يعتبر مالك أول من بايع الإمام على الخلافة الحقة وكان الجندي الأول للإمام في حروبه وقد جعله أمير المؤمنين على ميمنة الجيش، وقد أوقع الخسائر الفادحة في جيش معاوية وكاد أن يظفر بمعاوية لولا فتنة معاوية برفع المصاحف وأنخذل الخوارج ولكن الأشتر لم ينخدع.

وبعد حياة حافلة بالجهاد والعز والطاعة لله ولرسوله وأولي الأمر وتاريخ مشرق في فترة الإسلام رزقه الله الشهادة على يد أرذل خلقه وهو متجه إلى مصر ليولى عليها، فدس معاوية له السم عن طريق رجل من أهل الخوارج فقضى مسموماً صابرا محتسباً سنة 38هـ ودفن في مصر فإنا لله وإنا إليه راجعون.

كثيرا ما سمعنا عن قصة تولية الصحابي الجليل مالك بن الحارث الاشتر النخعي (رضي الله عنه) لولاية مصر من قبل الخليفة الراشد الرابع الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام). أرسل الإمام علي يطلبه اليه ويكلّفه بولاية مصر فدار بينهما نقاش عن طبيعة هذه المسؤولية، وما كان من الامام علي إلّا أن كتب له رسالة مطولة هي في الحقيقة منهاج عمل للوالي الجديد على ولاية مصر عُرفتْ فيما بعد بـ "عهد الامام علي الى مالك الأشتر".

ما يهمنا هنا التعريف بهذه الرسالة المنهاج ليستفيد منها المسؤولون في مختلف درجات مسؤوليتهم ابتداءً من الأسرة الى دائرة العمل وانتهاءً بالحكومة والدولة.

هذا الصحابي الجليل قُـتِـل مسموما في مصر(في مدينة القلزم التي تقع أطلالها اليوم قرب مدينة السويس) في عام 37 للهجرة (657 م).

يُعرَف مالك الأشتر اليوم في مصر بالسيد العجمي و مرقده يقع في قرية القلج بمحافظة القليوبية بمصر.