بعض كلام الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام)

     لم يُدوَّن لأحد من الصحابة والخلفاء ما دوّن له (عليه السلام) من الخطب والمواعظ والكتب والوصايا والحكم، وهذا نهج البلاغة يطأطئ له البلغاء إعظاماً، وينحني له الفصحاء إجلالاً، وهو مفخرة لكل مسلم، وعز لكل موحد، وهو بعد هذا وذاك دون كلام الخالق، وفوق كلام المخلوق.

قال ابن أبي الحديد: وانظر كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) فإنك تجده مشتقاً من ألفاظه ـ أي القرآن الكريم ـ ومقتضباً من معانيه ومذاهبه، ومحذواً بحذوه، ومسلوكاً به في منهاجه، فهو وإن لم يكن له نظير ولا ند، يصلح أن يقال: انه ليس بعده كلام أفصح منه ولا أجزل ولا أعلى ولا أفخم ولا أنبل، إلا أن يكون كلام ابن عمه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهذا أمر لا يعلمه إلا من ثبتت له قدم راسخة في علم هذه الصناعة، وليس كل الناس يصلح لانتقاء الجوهر، بل ولا لانتقاء الذهب.

نسجل في هذه الصفحات مقتطفات من كلامه (عليه السلام):

1- من خطبة له (عليه السلام) في الحث على الجهاد وذم القاعدين عنه: " أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل، وشملهُ البلاء، وديث بالصغار والقماءة، وضرب على قلبه بالاسداد وأديل الحق منه بتضييع الجهاد، وسيم الخسف، ومنع النصف، ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً، وسراً وإعلاناً، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم، حتى شنت الغارات عليكم، وملكت عليكم الأوطان وهذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار، وقد قتل حسان بن حسان البكري، وأزال خيلكم من مسالحها، ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، والأخرى المعاهدة، فينتزع حجلها، وقلبها، وقلائدها، ورعاثها، ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام، ثم انصرفوا وافرين، ما نال رجلاً منهم كلمٌ، ولا أريق لهم دم، فلو أن امرءاً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً، فيا عجباً والله يميت القلب، ويجلب الهم، اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم، وتفرقهم عن حقكم، فقبحاً لكم وترحاً، وحين صرتم غرضاً يرمى، يغار عليكم ولا تغيرون وتغزون ولا تغزون، ويعصى الله وترضون، فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الصيف قلتم: هذه حمارة القيظ أمهلنا يسبخ عنا الحر، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم: هذه صبارة القر، أمهلنا ينسلخ عنا البرد، كل هذا فراراً من الحر والقر، فانتم والله من السيف أفر، يا اشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال، وعقول ربات الحجال، لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم، معرفة والله جرت ندماً، وأعقبت سدماً، قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحا، وشحنتم صدري غيظاً، وجرعتموني نغب التهمام أنفاساً، وأفسدتم عليَّ رأيي بالعصيان  والخذلان، حتى قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب، لله أبوهم!! وهل واحد منهم أشد لها مراساً، وأقدم فيها مقاماً مني؟ ولقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنذا  قد ذرفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع!".

2-  ومن وصية له (عليه السلام) للحسن والحسين لما ضربه ابن ملجم لعنه الله: "أوصيكما بتقوى الله، وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما، وقولا للحق، واعملا للأَجر، وكونا للظالم خصماً، وللمظلوم عوناً، أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله، ونظم أمركم، وصلاح ذات بينكم، فإني سمعت جدكما رسول الله ~ يقول: (صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام) الله الله في الأيتام فلا تغبوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم، والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم، ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم، والله الله في القرآن لا يسبقكم  بالعمل به غيركم، والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم، والله الله في بيت ربكم لا تخلوه ما بقيتم، فإنه إن ترك لم تناظروا، والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم   في سبيل الله، وعليكم بالتواصل والتباذل، وإياكم والتدابر والتقاطع ، لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم.

ثم قال: يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً تقولون: قتل أمير المؤمنين، ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي.

انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة، ولا يمثل بالرجل، فإني سمعت رسول الله ~ يقول: المثلة حرام ولو بالكلب العقور.

3- من كتاب له (عليه السلام) إلى الحارث الهمداني:"يا حارث وتمسك بحبل القرآن واستنصحه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، وصدّق بما سلف من الحق، واعتبر بما مضى من الدنيا ما بقي منها، فإن بعضها يشبه بعضاً، وآخرها لاحق بأولها، وكلها حائل مفارق، وعظم اسم الله أن تذكره إلا على حق، وأكثر ذكر الموت وما بعد الموت، ولا تتمن الموت إلا بشرط وثيق، واحذر كل عمل يرضاه صاحبه لنفسه ويكره لعامة المسلمين، واحذر كل عمل يعمل به في السر ويستحى منه في العلانية، واحذر كل عمل إذا سئل عنه صاحبه أنكره واعتذر منه، ولا تجعل عرضك غرضاً لنبال القوم، ولا تحدث الناس بكل ما سمعت به فكفى بذلك كذباً، ولا ترد على الناس كل ما حدثوك به فكفى بذلك جهلاً، واكظم الغيظ، وتجاوز عند المقدرة، واحلم عند الغضب، واصفح مع الدولة تكن لك العاقبة، واستصلح كل نعمة أنعمها الله عليك، ولا تضيعن نعمة من نعم الله عليك، ولير عليك أثر ما أنعم الله عليك.

واعلم أن أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمة من نفسه وأهله وماله، فإنك ما تقدم من خير يبق لك ذخره، وما تؤخره يكن لغيرك خيره، واحذر صحابة من يفيل رأيه وينكر عمله، فإن الصاحب معتبر بصاحبه، واسكن الأمصار العظام فإنها جماع المسلمين، واحذر منازل الغفلة والجفاء وقلة الأعوان على طاعة الله، واقصر رأيك على ما يعنيك، وإياك ومقاعد الأسواق فإنها محاضر الشيطان، ومعاريض الفتن، وأكثر أن  تنظر  إلى من فضلت عليه،فإن ذلك من أبواب الشكر، ولا تسافر في يوم جمعة حتى تشهد الصلاة إلا فاصلاً في سبيل الله، أو في أمر تعذر به، وأطع الله في جميع أمورك، فإن طاعة الله فاضلة على من سواها، وخادع نفسك في العبادة وارفق بها ولا تقهرها، وخذ عفوها، ونشاطها، إلا ما كان مكتوباً عليك من الفريضة، فإِنه لا بد من قضائها وتعاهدها عند محلها، وإياك ومصاحبة الفساق، فإن الشر بالشر ملحق، ووقر الله، وأحب أحباءه، واحذر الغضب فإنه جند عظيم من جنود إبليس، والسلام"[1].

 

 

 

----------------------------------------------------

[1] ينظر: علي محمد علي دخيل, سيرة الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام).