بعض صدقات الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) وموقوفاته

     في كل جانب من حياة الإمام (عليه السلام) تجد العظمة في منتهاها، والرفعة في ذراها، فهو المثل الأعلى في العبادة والدعاء والإخلاص والجهاد والأخلاق والكرم وكثرة الصدقات، إلى غير ذلك من الفضائل والمناقب التي لا تعد و لا تحصى، والحديث ـ في هذا الفصل ـ عن صدقاته (عليه السلام) وأوقافه التي جعلها لله تعالى حديث طويل يتناسب وسمو مقامه، ورفعة شأنه، فهو الذي كان يملك أربعة دراهم تصدق بدرهم منها ليلاً، وبدرهم نهاراً، وبدرهم سراً، وبدرهم علانية، فانزل الله فيه: [ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ][1] وهو الذي تصدق في ركوعه بخاتمه فنزل فيه قوله تعالى: لَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ][2].

وقد تحدث المؤرخون عن ضياع له (عليه السلام) كثيرة: كعين أبي نيزر، والبغيبغات، وغير ذلك مما كان له (عليه السلام)، وقد جعل ذلك صدقة، وقد قال (عليه السلام): لقد رأيتني واني لأربط الحجر على بطني من الجوع، وان صدقتي لتبلغ اليوم أربعين ألف دينار[3].

وقال محمد بن هشام: ركب الحسين (عليه السلام) دين فحمل إليه معاوية بعين أبي نيزر مائتي ألف دينار فأبى أن يبيع وقال: إنما تصدق بها أبي ليقي بها وجهه حر النار ولست ببائعها [4].

ونسوق مثالا واحداً كنموذج على صدقاته (عليه السلام): حدث أبو نيزر قال: جاءني علي (عليه السلام) وأنا أقوم بالضيعتين ـ عين ابي نيزر والبغيبغة ـ فقال لي: هل عندك من طعام؟

فقلت: طعام لا أرضاه لأمير المؤمنين، قرع من الضيعة صنعته بإهالة سنخة.

    فقال: عليَّ به، فقام إلى الربيع ـ اسم نهر ـ فغسل يديه وأَصاب منه، ثم خرج إلى الربيع وغسل يديه بالرمل حتى نقاهما، ثم مسح على بطنه وقال: من ادخل بطنه النار أبعده الله، ثم أخذ المعول وانحدر في العين وجعل يضرب فـأبطأ الماء، فخرج وقد عرق جبينه فانتكفه، ثم عاد وجعل يهمهم فانثالت عين كأنها عنق جزور، فخرج مسرعاً فقال: اشهد انها صدقة [5].

     وكان صورة ما كتبه الامام علي(عليه السلام) في وقفيتها: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تصدق به علي أمير المؤمنين، تصدق بالضيعتين المعروفتين بعين أبي نيزر والبغيبغة على فقراء أهل المدينة وأبناء السبيل، ليقي الله بهما وجهه حر النار يوم القيامة، لا تباعا لا توهبا حتى يرثهما الله وهو خير الوارثين، إلا أن يحتاج إليهما الحسن والحسين فهما طلق لهما، وليس لأحد غيرهما)[6].

 

 

----------------------------------------

[1] البقرة: 274.

[2] المائدة: 55.

[3] أسد الغابة: 4/ 23.

[4] أعيان الشيعة: 3ق 2/ 77.

[5] أبصار العين، السماوي: 62.

[6] أعيان الشيعة: 3ق 2/ 77. ينظر كتاب: علي محمد علي دخيل, سيرة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) والخطبتان الخالية من الألف والخالية من النقطة، الناشر: العتبة العلوية المقدسة ــ قسم الشؤون الفكرية والثقافية، الطبعة: الأولى, محل الطبع وتاريخه: النجف الأشرف، 1431هـ- 2010م.