اصلاح المرقد الشريف في زمن الامام الصادق(عليه السلام) والإذن بزيارته

       ان من الشواهد التاريخية في العصر العباسي وصول قافلة الامام الصادق (عليه السلام) الى الحيرة بامر ابي جعفر المنصور، برفقة رزام وما كان من وقوفه وصلاته ودعائه الذي سمعه رزام عند قبر جده امير المؤمنين (عليه السلام)، ثم عرج اثناء اقامته في الحيرة او الكوفة، او اثناء عودته الى المدينة مع جمّاله صفوان على قبر جده (عليه السلام) لزيارته.

 

زيارة الإمام الصادق للإمام علي (عليهما السلام)

      ذكر ابن طاووس في الفرحة[1] الرواية التي سبقت الاشارة اليها عن محمد بن المشهدي بسنده عن هشام بن سالم ان صفوان الجمال قال: (لما وافيت مع جعفر الصادق (عليه السلام) الكوفة يريد ابا جعفر المنصورِ، قال لي: يا صفوان انخ الراحلة، فهذا حرم جدي امير المؤمنين (عليه السلام)، فأنختها، ثم نزل فاغتسل وغير ثوبه وتخفى وقال لي: افعل مثلما افعله، ثم اخذ نحو الذكوات، وقال لي قصر خطاك، والق ذقنك الى الارض.. ثم مشى ومشيت معه وعلينا السكينة والوقار، نسبح ونقدس ونهلل الى ان بلغنا الذكوات فوقف (عليه السلام) ونظر يمنة ويسرة وخط بعكازته وقال لي: اطلب فطلبت، فإذا اثر القبر في الخط، ثم ارسل دموعه على خده وقال: انا لله وانا اليه راجعون، ثم قال: "السلام عليك ايها الوصي، البر التقي، السلام عليك ايا النبا العظيم، السلام عليك ايها الصديق الشهيد، السلام عليك ايها الوصي الزكي السلام عليك يا وصي رسول رب العالمين، السلام عليك يا خيرة الله على الخلق اجمعين، اشهد انك حبيب الله وخاصة الله وخالصته، السلام عليك يا ولي الله وموضع سره وعيبة علمه وخازن وحيه، ثم انكب على القبر وقال: بأبي انت وامي يا حجة الخصام، بابي انت وامي يا باب المقام، بأبي انت وامي يا نور الله التمام، اشهد انك قد بلغت عن الله وعن رسول الله (صلى الله عليه واله) ما حملت ورعيت ما استحفظت وحفظت ما استودعت وحللت حلال الله وحرمت حرام الله واقمت احكام الله، ولم تتعد حدود الله، وعبدت الله مخلصا حتى اتاك اليقين، صلى الله عليه وعلى الائمة من بعدك، ثم قام فصلى عند الراس ركعات، وقال: يا صفوان من زار امير المؤمنين (عليه السلام) بهذه الزيارة وصلى بهذه الصلاة رجع الى اهله مغفورا ذنبه، مشكورا سعيه.. قلت يا سيدي اتاذن ان اخبر اصحابنا من اهل الكوفة به؟ قال: نعم واعطاني دراهم وصلحت القبر) وهي رواية من الصعب عدم الوثوق بها، لان من وقفت على ترجمتهم في سند ابن المشهدي من الثقاة، ولك ان تنظر في كتاب نقد الرجال[2] لتتبين، وهذه الرواية اعتمد عليها جميع من تحدث عن زيارة الصادق قبر جده (عليه السلام) زمن ابي جعفر المنصور منهم فخر الدين في كتابه السابق الذكر.

 

الزيارة في رواية الطيالسي

ومما يزيد من ثقتنا في الرواية السابقة ان محمد ابن المشهدي صاحب كتاب المزار الذي ذكر روايته السابقة ابن طاووس في فرحته[3] نقل زيارة رواها محمد بن خالد الطيالسي- الذي وثقه التفريشي في كتابه نقد الرجال[4]، ولم يوهن روايته ولكنه ذكر التردد في كونه من اصحاب الامام الكاظم(عليه السلام) أو انه لم يرو عن الائمة - عن سيف بن عميرة- وهو ثقة من اصحاب الامام الكاظم عليه السلام كما ذكر التفريشي في كتابه السابق الذكر[5]:ولم يكن فيها صفوان لوحده، وإنما خرج معه سيف بن عميرة وجماعة من أصحابه قال سيف: "خرجت مع صفوان بن مهران الجمال وجماعة من اصحابنا الى الغري بعدما ورد ابو عبد الله (عليه السلام)، فزرنا أمير المؤمنين(عليه السلام)..". وهي أيضاً في مزار المشهدي 214.

 

الإصلاح الأول للمرقد الشريف

      ولا ينبغي ان نذهب الى تضخيم ذلك الاصلاح، او الى تهوينه، فأمره احتاج الى دراهم دفعها الإمام هذا يعني ان صفوان لا يستطيع ان يقوم به لوحده ولا بد ان يساعده فيه غيره، وقد يحتاج لاتمامه الى حجارة وآلة بناء، إلا انه لا يعدو من وجهة نظري عن دكة، وقد تكون الرمال تراكمت على القبر، فأزيحت، وقد يكون القبر احيط بدائرة او مربع من حجارة، ويكون ما سواه كالمسجد تقام فيه الصلاة عند الزيارة، كما يفعل كثير من المسلمين في الغرب الافريقي في شوارعهم واسواقهم بسبب شدة الحرارة وضيق ذات اليد، اذا يختارون جانبا من رصيف الشارع يحيطونه ببعض الحجارة على شكل مربع او مستطيل لاشعار المارة ان المكان نهض للصلاة فلا يطأونه بأقدامهم.

     والرواية يمكن أن نستنتج منها امرين ايضا، الاول: وجود دكة او حجارة او ما شابه ذلك كانت على الضريح قبل زيارة الامام الصادق(عليه السلام) للمنصور، لا يعرف من وضعها، او امر بها او أقامها ويقرب الى الظن انه (عليه السلام) هو الذي قام بوضعها او امر هو ومن رافقه من اهل البيت خلال زيارتهم زمن السفاح بوضعها، وان تلك الدكة قد اصابها التصدع بسبب الامطار والرياح واختلاف درجات الحرارة، وانه (عليه السلام) أمر صفوان باصلاحها (واعطاني دراهم، واصلحت القبر).

 

الدعوة للزيارة والاصلاح

       ان هذه الرواية تعد دليلاً واضحاً واضح المعالم ينبئ عن وجود قبر الامام علي(عليه السلام)، المقدس بصورة لا لبس فيها وضع او بني بأمر من الامام الصادق(عليه السلام)، ولكن لا تعرف طبيعته ولا تأريخه بالدقة، والأمر الثاني: اذنه (عليه السلام) لشيعة اهل البيت بزيارته، وبذا كان الاعلام عن مكان القبر للعامة بتوجيه منه، وقد اقرأ في ذلك التوجيه أيضاً انه اراد(عليه السلام) لفت نظر ابناء عمومته العباسيين الى تخفيف جورهم وظلمهم لأبناء عمومتهم العلويين فإنهم ما كانوا يجلسون مجلسهم ذاك لولا صاحب القبر الذي ما زال يذكر الناس بدوره العظيم، وفي الوقت ذاته يؤلبهم على بني العباس ويحزبهم ضدهم ان استمروا بظلم ابناء عمومتهم من العلويين.

      ولا ينبغي توقع وجود بناء مثل غرفة او قبة فوق القبر المقدس في تلك المرحلة من التأريخ الاسلامي ولا المرحلة التي تلتها اذ انها لم تعرف بناء قباب او دكاك كبيرة على قبور المسلمين، ولو كانت معروفة لرأينا قباباً لا تحصى ودكاكاً كبيرة على قبور ظلمة العباد من الأمويين والعباسيين، وقد نكون رأينا أيضاً ضريحا بقبة كبيرة على قبر رمز العباسيين ومبعث فخرهم عبد الله بن عباس رضوان الله عليه بل ان اول قبر عرفت عليه قبة يعود تاريخه الى سنة 248هـ/862م، هو قبر المنتصر بالله بن المتوكل فقد ذكر الطبري في تاريخه 7/413، وتابعه ابن الاثير في كامله انه (اول خليفة من بني العباس عرف قبره وذلك ان امه طلبت اظهار قبره، وكانت ام ولد رومية) وروى قريبا منه المسعودي[6] .

      فقال: (وكان اول خليفة من بني العباس اظهر قبره، وذلك ان امه حبشية سألت ذلك، فاذن لها، واظهرته بسامراء) وذكرت الدكتورة سعاد ماهر في كتابها مشهد الامام علي 133 ان امه حرصت (على بناء ضريح له بعيدا عن القصر الذي يسكنه، عرف باسم قبة الصليبية) ويقع الضريح على الضفة الغربية لنهر دجلة بمدينة سامراء، ويتكون من قبة مثمنة فوق غرفة مربعة الشكل كما ذكرت، وما زالت القبة قائمة.

      والراجح انه يوم ضيق ابو جعفر المنصور ومن جاء بعده من خلفاء بني العباس الخناق على العلويين وشيعتهم لمن تعد زيارة قبر الامام (عليه السلام) علنية وانما عادت سرية تخضع من حيث عدد الزوار الى المد والجزر بحسب علاقة الخليفة بأهل البيت(عليهم السلام)، وخاصة في النصف الاول من العصر العباسي الاول.

 

------------------------------------------------

[1]ابن طاووس في الفرحة 2/201.

[2] للتفريشي 2/310 – 312، 5/49-50.

[3] نقل في 2/104-105 من مزاره ايضا وهي فيه في 214.

[4] نقد الرجال 4/199-200.

[5] نقد الرجال 2/388- 389.

[6] في مروجه: 4/134.