عمارات الحرم العلوي الشريف

العمارات المشيدة على المرقد الطاهر

     شهد قبر الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) خلال فترة طويلة إخفاء متعمدا عن عيون الناس، حيث أبقى أولاده الأئمة(عليهم السلام) على موضعه طي الكتمان يتداولونه هم وأصحابهم المقربين ويتعاهدونه بالزيارة سرا دون العلن.

     كل ذلك حفاظا على حرمة المرقد الطاهر من حقد وبطش الحاكمين النواصب الذين لا يتورعون عن انتهاك كل مقدس وارتكاب أي محذور، ولعل من أدل الأمور على ذلك ما فعله المتوكل العباسي سنة 236هـ حينما عمد إلى هدم مرقد الإمام الحسين(عليه السلام) وما حوله من منازل ودور، وأمر ان يبذر ويسقى موضع قبره[1] .

بل إنهم - على الرغم من إخفاء موضع قبر الإمام علي(عليه السلام) كل هذه الفترة الطويلة- عمدوا إلى التنقيب عنه لأجل نبشه وطمس آثاره، ولعل من ابرز تلك الحوادث ما فعله داود بن علي العباسي[2] .

حينما أمر غلمانه بنبش القبر في حادثة أبرزت كرامة من كرامات هذه البقعة المقدسة ثنته عن مواصلة بغيه ومكره[3].

     إلا أن هذا الحال لم يدم على هذا المنوال، فقد قُدر للقبر الشريف أن يظهر إلى العلن، وأن تقام عليه العمارات المختلفة ويتوافد إليه الزائرون من كل حدب وصوب، وان كان قد تعرض بعد إظهاره إلى محولات للتخريب والطمس خلال فترات متباعدة من الزمن.

     وخلال تاريخ المرقد العلوي الطاهر الطويل، قامت عمارات عدة عليه على تعاقب الدهور والأجيال، اختلف المؤرخون في عددها، فمنهم من ذكر أنها سبعُ عمارات[4] ومنهم من عدها ست عمارات[5] ومنهم من قال أنها خمس عمارات[6]، والذي نرجحه – ونعتمده في هذا المجال - هو أن عدد العمارات المقامة على قبر الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) كانت ستة، لان العمارات الإضافية التي احتسبها بعض المؤرخين كانت عبارة عن مجرد إصلاحات أو إضافات على العمارات التي سبقتها.

 

ظهور القبر الشريف وكرامته

     لقد ألتزم أولاد أمير المؤمنين عليهم السلام بما أوصاهم به والدهم وبقي مكان القبر المطهر سراً من أسرار آل البيت (عليهم السلام) لا يعرفه أحد غيرهم إلا ثلة قليلة من شيعتهم المقر بين إليهم ..

وما إن دالت دولة بني أمية، وصار الأمر بيد بني العباس انتفت أسباب إخفاء القبر الشريف.. فاخذ السر الذي كتموه سنين طويلة بالظهور فاطلعوا عليه الخلص من الذين أمنوا بالله ورسوله إيمانا حقا وأحبوا آل بيته وأخلصوا لهم إلتزاما بقوله تعالى:[ قل لا أسئلكم عليه اجراً إلا المودة في القربى]. وكان القبر وقت ذاك ربوة قائمة أو أكمة كما ذكرت ذلك الكتب التاريخية المعتبرة .

     يروي بعض المؤرخين أن داود بن علي بن عبد الله بن العباس زار المرقد الشريف بين عامي (136 – 145 هجرية) وجعل عليه صندوقا خشبيا[7].

     فقد روي أن داود بن علي العباسي(ت132 هـ) حاول أن يعرف سر القبر ويكتشفه فبعث ببعض غلمانه ممن يضع ثقته فيهم وكان من بينهم عبد أسود عرف بقوته الجسمانية .. فباشروا بالحفر حتى وصلوا ما يقرب من خمسة أذرع إلى صخرة صلدة وقفت حائلاً بينهم ومواصلة الحفر ، فطلبوا من الغلام الأسود أن ينزل ويجرب قوته فيها فضربها بقوة أحدثت صوتا ً قوياً وتلاها بثانيه وثالثه حتى سمعوه يصرخ ويستغيث ويطلب منهم أن يخرجوه فلما أخرجوه وحاولوا استنطاقه ليتبنوا الأمر منه لم ينطق ببت شفه ولازم الصمت خائفا مرعوباً ثم اخذ لحمه يتناثر من سائر جسده فتناهى الخبر إلى داود بن علي فكتم أمر محاولته هذه وأعاد دفن القبر وعمل عليه صندوقا من الخشب[8].

     بالإضافة الى ما ذكرناه من تعاهد الامام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) من زيارة القبر المقدس في النجف الاشرف مع اصحابه, وما اعطاه من اموال لتعاهد اصلاح القبر الشريف كما مر[9].

 

ما طرأ على القبر الشريف من الإعمار والإصلاح:

     لقد طرأت على القبر الطاهر بعد وضع داود بن علي العباسي الصندوق(الذي تقدم ذكر قصته) تغييرات وإصلاحات وعمارات عدة أبرزها وأهمها كما يأتي .

 

العمارة  الأولى- (عمارة هارون العباسي):

     شاءت الأقدار أن يظهر القبر الشريف للعلن وتقام عليه أول عمارة على يد أحد خلفاء بني العباس، وهو هارون العباسي(170-193هـ) في حادثة تعد من الكرامات المرتبطة بمرقد الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام).

فقد بنى الرشيد الضريح الطاهر بحجارة بيضاء، وأنشأ عليه رواقا، وأقام على الرواق قبة من طين أحمر،جعل لها أربعة أبواب، ووضع عليها جرة خضراء، وهي العمارة الأولى للحرم العلوي المطهر. وقد اختلف المؤرخون في سنة بناء هذه العمارة فذكر بعضهم أنها أقيمت عام 155 هجرية، وذكر البعض الآخر أنها أقيمت سنة 170 هجرية.

     جاء في كتب الإرشاد وفرحة الغري وينابيع المودة للقندوزي ومناقب آل أبي طالب وغيرها.. الإشارة إلى هذه الحادثة التاريخية المهمة، وتفصيلها أن هارون كان في رحلة صيد في منطقة النجف، فلاحظ أن الغزلان التي تطاردها صقوره وكلابه كانت تحتمي بكثيب رمل هناك، فإذا فعلت ذلك رجعت عنها الصقور والكلاب، فتعجب هارون لذلك وسأل بعض من كان يسكن في تلك المنطقة، فأجابوه قائلين: (إنا سمعنا من آبائنا انه موضع قبر أمير المؤمنين(عليه السلام)) فزاره هارون، وأقام عليه بنيانا عليه قبة طرح فوقها جرة خضراء، وكان ذلك في حدود سنة 170هـ، وقد أورد هذا الوصف السيد ابن طاووس عن ابن طحال بقوله: (إن الرشيد بنى بنيانا بآجر ابيض اصغر من هذا الضريح اليوم – أي عصر ابن طحال وهو القرن الخامس الهجري- من كل جانب بذراع ولما كشفنا الضريح وجدناه مبنيا عليه تربة وجصا. وأمر الرشيد أن تبنى عليه قبة فبنيت من طين احمر طرح على رأسها جرة خضراء..)[10]، وقد عمد المتوكل العباسي في عهده إلى تخريب هذه العمارة[11] اثر حملة عنيفة شنها على أتباع أهل البيت(عليه السلام) حيث تابعهم وضيق عليهم أشد التضييق.

     وتجدر الاشارة الى ان الدكتور صلاح الفرطوسي قد اعرب عن ارتيابه من حقيقة البناء المنسوب الى هارون، واستبعد ان يكون البناء مهولا الى درجة ان يكون على شكل قبة ذات ابواب، ورجح ان يكون هارون العباسي قد حجر القبر وطرح عليه حبرة خضراء –ضرب من برود اليمن- اكراما للقبر وصاحبه[12].

     ولكننا نتساءل في هذا المجال: اذا لم يكن هارون قد اقام عمارة على مرقد الامام(عليه السلام) في زمنه، فاي العمارات اذاً هي التي هدمها المتوكل العباسي لما تولى زمام الحكم في عصره؟ حيث تشير الروايات الى وجود بناء بارز على قبر الامام امير المؤمنين(عليه السلام) آنذاك عمد المتوكل الى هدمه، وقد اشار الى وجود هذه العمارة الدكتور الفرطوسي نفسه، فبعد ان ذكر رواية المسعودي في مروج الذهب التي يصف فيها محنة العلويين زمن المتوكل قال: (والرواية السابقة مهمة جدا لانها تنبئ عن وجود ضريح قائم في الغري، بل هو مشهد..)[13]

     اذاً، فالقدر المتيقن منه وجود عمارة قبل زمان المتوكل.. ولكن لمن تنسب هذه العمارة؟ اذ لم يخبرنا التاريخ عن مشيّد لها قبل زمان المتوكل سوى ما نسب لهارون العباسي، ومن المستبعد ان يقع مثل هذا الحدث المهم – تشييد عمارة على القبر الشريف- ولا ترد فيه نص او خبر –ولو ضعيف- يبين نسبة هذا البناء لشخص من الاشخاص.

والظاهر والله اعلم هو القبر او المعلم الذي وضعه الامام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) كما مر.

 

العمارة الثانية - (عمارة الداعي الصغير):

     بعد زوال حكم المتوكل العباسي خف التهديد والتضييق على العلويين، ونالوا شيئا من الحرية وسمح لهم بزيارة قبور أئمتهم(عليهم السلام)، وقد قام في تلك الفترة السيد محمد بن زيد(270-287هـ) الملقب بالداعي الصغير - صاحب بلاد الديلم وطبرستان في زمن المعتضد العباسي(279-289هـ)- ببناء عمارة جديدة للمرقد العلوي الطاهر، تتكون من قبة وحائط وحصن فيه سبعون طاقا على شكل عقود[14].

     وقد ورد أن هذه الطاقات كانت كالزوايا التي أنشئت في العهد البويهي، وهي معدة لسكن طلبة العلم والوافدين لزيارة المرقد الشريف[15]، هذا وقد وُصفت هذه عمارة بأنها عمارة جيدة، وعدها ابن طاووس ثاني عمارة تقام على القبر الشريف بعد عمارة هارون العباسي[16].

     وقد ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام) ذكره لهذه العمارة الشريفة في حديث طويل رواه فرات بن الأحنف متحدثا عن مرافقته للامام الصادق(عليه السلام)  قاصدين زيارة أمير المؤمنين(عليهم السلام) بقوله: (.. ثم مضى ومضيت معه حتى انتهى إلى موضع فنزل وصلى ركعتين وقال: "هاهنا قبر أمير المؤمنين(صلوات الله عليه) أما انه لا تذهب الأيام حتى يبعث الله رجلا ممتحنا في نفسه في القتل يبني عليه حصنا فيه سبعون طاقا..")[17].

      اذاً هي عمارة محمد بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، المعروف بالداعي الصغير، ملك طبرستان المقتول في شهر شوال من سنة 287 هجرية، وقد أنشأ عمارته في حدود سنة 273 للهجرة حين زار النجف فبنى على المشهد الشريف حائطا وحصنه بحصن فيه سبعون طاقا. وذكر المؤرخون أن السبب في بناء محمد بن زيد لعمارته هو أن المتوكل العباسي كان قد هدّ عمارة النجف كما هدّ عمارة الإمام الحسين في كربلاء. ثم طور البناء يوم بنى أبو علي عمر بن يحيى القائم بالكوفة قبة بيضاء على القبر الشريف سنة 338 هجرية.

 

العمارة الثالثة - (عمارة عضد الدولة):

وهي العمارة الثالثة .. وقد عُدّت من بدائع ما صنعه الإنسان في هذا المجال وقتذاك .

     وهي عمارة السلطان عضد الدولة البويهي المتوفى سنة 372 هجرية، فقد بذل عضد الدولة الأموال الطائلة لتشييد عمارة فخمة البنيان للحرم العلوي المطهر،جلب لها من بغداد العصر الذهبي خيرة المهندسين والمصممين والمعماريين والبنائين وذوي الفن والصنعة في دولته، ثم أحضر مواد البناء من صخور وأخشاب وغيرها من أماكنها النائية حيث ما وجدت، وحين أعوزه الطابوق والجصّ لعمارته الفخمة بنى لها قريبا من بئر معروف في بادية النجف مصاهر لما يحتاجه منها، كما حفر قناة للماء من نهر الفرات في الكوفة الى حيث النجف الأشرف، ثم أقام رواقا مرتفعا عقد عليه قبة بيضاء.

      كما بنى عضد الدولة البويهي غرفا عديدة ويوانات رائعة، ثم حين تمّ للسلطان ما أراد، عقد عضد الدولة في بهو الحرم المطهر وتحت رواقه البهي مهرجان افتتاح عمارته الفخمة، داعيا اليه الأمراء والعلماء والنقباء والوجهاء والشعراء والأدباء، وفي هذا البهو الزاهي ألقى الشاعر الحسين بن الحجاج قصيدته المعروفة التي مطلعها:

 

ياصاحب القبة البيضا على النجف

من زار قبرك واستشفى لديك شفي

 

ومنها:

إني أتيتك يا مولاي من بلدي

مستمسكا بحبال الحق بالطرف

               **** 

راجٍ بأنك يا مولاي تشفع لي

وتسقني من رحيق شافي اللهف

            ****

لأنّك العروة الوثقى فمن علقت

بها يداه فلن يشقى ولم يخف

            ****

وأنك الآية الكبرى التي ظهرت

للعارفين بأنواع من الظرف

          ****

بحب حيـدرة  الكـرار مفخرتي

به شرفت وهذا منتهى شرفي 

 

       وهذه العمارة الفخمة هي التي رآها الرحالة ابن بطوطة أثناء تشرفه بزيارة النجف سنة 727 هـ كما تقدم وكتب عنها في رحلته واصفا إياها بكونها:

     " معمورة أحسن عمارة، وحيطانها مزينة بالقاشاني، وهو شبه الزليج عندنا لكنّ لونه أشرق، ونقشه أحسن، وإذا ما دخل زائر يأمرونه بتقبيل العتبة، وهي من الفضّة وكذلك العضادتان، ثمّ يدخل بعد ذلك إلى القبة، وهي مفروشة بأنواع البسط من الحرير وسواه، وبها قناديل الذهب والفضة، منها الكبار والصغار، وفي وسط القبة مسطبة مربعة، مكسوّة بالخشب، عليها صفائح الذهب المنقوشة المُحكمة العمل، مسمّرة بمسامير الفضة، قد غلبت على الخشب، لا يظهر منه شيء، وارتفاعها دون القامة، وفوقها ثلاثة من القبور، يزعمون أن أحدها قبر آدم (عليه السلام)، والثاني قبر نوح (عليه السلام)، والثالث قبر الإمام علي (عليه السلام).

          وبين القبور طشوت ذهب وفضة، فيها ماء الورد والمسك، وأنواع الطِيِب، يغمس الزائر يده في ذلك، ويدهن بها وجهه تبرّكاً، وللقبة باب آخر، عتبته أيضاً من الفضّة، وعليه ستور الحرير الملوّن، يفضي إلى مسجد مفروش بالبسط الحسان، مستورة حيطانه وسقفه بستور الحرير، وله أربع أبواب عتبتها فضة، وعليها ستور الحرير".

      ويذكر صاحب (إرشاد القلوب) على صفحة (148) الجزء الثاني .. إنًّ عضد الدولة أمر بإعادة بناء العمارة السابقة وجلب لهذا الغرض أشهر البنائين والمعماريين فعمر المكان وبني فيه عمارة حسنة وقد كانت موجودة سنة (338هـ) .. كما جاء ذكرها في كتاب (رياض السياحة) ص309 .. أمّا صاحب كتاب (تأريخ طبرستان) فيذكر في الجزء الأول وعلى صفحة (224) أنَّ العمارة باقية كما هي إلى سنة (753هـ) .

      ومن يطلع على ما كتبه الرحالة ابن بطوطة يجد انه قد خصص جزءً من رحلته متحدثاً عن النجف بعد أن زارها سنة (727هـ)، فيصف البلدة وأسواقها ومدارسها وما في الصحن الشريف من نفائس وتحف .. ثم يصف ما يقوم به سدنة المرقد المطهر مع الزوار القادمين من أماكن مختلفة..ويعطي وصفاً شاملاً للقناديل المعلقة وللمسطبة وما كسيت به ويذكر ارتفاعها وما فيها من القبور فيقول ((فيزعمون أنَّ احدها (قبر أدم (عليه السلام)) والثاني (قبر نوح (عليه السلام)) والثالث (قبر علي رض الله عنه) ، ثم يذكر الطشوت المصنعة من الذهب والفضة التي بين القبور وما فيها من ماء الورد والمسك وأنواع الطيب .. وكيف يأتي الزائر فيغمس يده فيها ويدهن وجهه تبركاً[18]  .

وإذا كان الفضل يعود في بناء العمارة لعضد الدولة فانَّ أمراء بعض بني بويه ووزرائهم، وكذلك الحمدانيين وبعض بني العباس المحبين لآل بيت الرسول(صل الله عليه وآله) قاموا بإصلاحات وتطويرات وإضافات فنية جميلة[19].

ومن الجدير بالذكر أنَّ (المستنصر بالله العباسي) اهتم اهتماماً كبيراً بتعمير الضريح المقدس وبالغ في تحسينه وتزيينه .. (ينظر: المصدر نفسه) وقد امتدت إلى هذه العمارة السنة النيران وأكلت ما فيها من أثاث وأخشاب وأتلفت القناديل واللوحات .

 

العمارة الرابعة - ((العمارة المنسوبة الى عضد الدولة (فناخسرو) بن بويه الديلمي)):

     وهي من العمارات الفخمة الفاخرة التي أقيمت على مرقد الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) آنذاك، وقد أقامها عضد الدولة (فناخسرو) بن بويه الديلمي في عهده سنة 338هـ وبذل أموالا طائلة في سبيل ذلك وجلب إلى النجف النجارين وأهل الصناعات من سائر الأقطار، فخرب العمارة القديمة وأمر ببناء عمارة جليلة حسنة[20].

     يقول ابن عنبة: ولم تزل عمارته – أي عضد الدولة- باقية إلى سنة 753هـ[21]، وقد شاهد هذه العمارة الرحالة ابن بطوطة حين ورد على النجف سنة 727هـ ووصف الروضة المقدسة فقال: (والخوانق معمورة أحسن عمارة وحيطانها بالقاشاني وهو شبه الزليج عندنا لكن لونه أشرق ونقشه أحسن.. ثم يقول: ثم يدخل القبة وهي مفروشة بأنواع البسط من الحرير وسواه وبها قناديل الذهب والفضة منها الكبار والصغار وفي وسط القبة مصطبة مربعة مكسوة بالخشب عليها صفائح الذهب المنقوشة المحكمة العمل مسمرة بمسامير الفضة، قد غلبت على الخشب لا يظهر منها شيء، وارتفاعها دون القامة وفوقها ثلاثة من القبور يزعمون أن احداها قبر ادم والثاني قبر نوح والثالث قبر علي(عليه السلام)، وبين القبور طشوت ذهب وفضة وفيها ماء الورد والمسك وأنواع الطيب، وللقبة باب آخر عتبته أيضا من الفضة وعليه ستور الحرير الملون يفضي إلى مسجد مفروش بالبسط الحسان مستورة حيطانه وسقفه بستور الحرير وله أربعة أبواب عتبها فضة وعليه ستور الحرير)[22].

وقد ورد أنه لما تم بناء هذه العمارة، أقام عضد الدولة لافتتاحها حفلا بهيجا جلس فيه في الرواق المطهر متأدبا لقضاء حوائج الناس، وقد حضر الحفل العلماء والأمراء والنقباء[23].

 

العمارة الخامسة - (( العمارة المنسوبة الى الأيلخانيين)):

      تعرضت عمارة عضد الدولة الآنفة الذكر إلى الحريق مرتين متتاليتين إحداهما سنة 753هـ ولم يبق منها إلا القليل، والثانية في سنة 755هـ - بعد سنتين من الحادثة الأولى- وقد عزي الأمر إلى المصابيح الزيتية والشموع التي كانت تستخدم لإضاءة العتبة في ذلك الوقت.

      وقد أعيد على ضوء ذلك إعادة إعمار المرقد الطاهر سنة 760هـ، ولم يعلم مُنشئها، وربما كانت من جماعة لا من شخص واحد[24]،

      وبعض يقول هي العمارة التي نفذها أكثر من سلطان من السلاطين،حيث لم تقتصر عمارتها على واحد بعينه منهم كي تسمى باسمه، فقد اجتهد في تشييدها وتحسين القائم المبني منها بعض سلاطين البويهيين ووزرائهم ثم الحمدانيين ثم بعض من متشيعي الخلفاء العباسيين كالمستنصر والعديد من وزرائه.

وقيل إن هذه العمارة أقيمت بعد احتراق عمارة عضد الدولة البويهي المتقدم ذكرها وذلك في سنة 755 هجرية. ذلك أن الحريق الكبير لم يأت عليها بالكلية، فقد احترقت أجزاء كبيرة منها وبخاصة جدرانها التي كانت موشاة ومزخرفة بالخشب الساج المنقوش بأبهى النقوش وأحلاها، وقد تم تجديدها سنة 760 هجرية بعد خمس سنوات من الحريق.

 

     وقد أشار الشيخ جعفر محبوبة في كتابه ماضي النجف وحاضرها إلى أن هذه العمارة قد تكون عائدة إلى الاليخانيين، ويقرب ذلك ما خلفوه من آثار حسنة في العمران أقاموها في عهدهم كبناء المدارس والمساجد والرباطات وفتح القنوات وغيرها[25]، في حين أن الدكتور حسن الحكيم ذكر بان أويس بن حسن الجلائري هو من أقام هذه العمارة وكسا المرقد الطاهر فيها بالرخام[26].

 

العمارة  السادسة:- (( العمارة المنسوبة الى الأمير التركماني بير بوداق)):

     تعرضت العمارة التي أقيمت بعد حادثة الحريق إلى التخريب من قبل الملحد محمد ابن فلاح المشعشعي –أول سلاطين بني المشعشع ببلاد خوزستان- وذلك عام 857هـ جاعلا من القبة الشريفة مطبخا لمدة ستة أشهر، حيث كان من المغالين الذين يعتقدون بإلوهية الإمام علي(عليه السلام)، وقد نقل عنه قوله فيه: (انه رب والرب لا يموت).

      وبعد هذا التخريب أمر الأمير التركماني بير بوداق حاكم بغداد عام 859هـ بتعمير المشهدين الشريفين في النجف وكربلاء[27]ولم يفارق الإعمار قبر الإمام وضريحه خلال الحقب المتعاقبة[28].

     ومن بين كل تلك العمارات تميزت العمارة الصفوية بالرفعة والروعة والجمال، وهي العمارة القائمة اليوم، وورد أن الشاه عباس الصفوي الأول باشر بتشييدها في سنة 1040هـ واستمر العمل فيها لمدة ثلاث سنين، وأشرف على العمل فيها الوزير ميرزا تقي المازندراني، وقد أمر الشاه عباس بتجديد القبة العلوية وتوسيع الحرم الشريف وجهزه بالقناديل المذهبة والمفضضة والمفروشات الثمينة، وتم البناء على ضوء تخطيط عمراني رائع وضعه الشيخ محمد بن الحسين العاملي المعروف بالشيخ البهائي وهو التصميم الموجود الآن، وقد أضاف الشاه صفي حفيد الشاه عباس الأول إصلاحات واسعة على هذه العمارة وأمر بتوسيع الصحن الشريف والحرم الطاهر ابتداء من عام 1047هـ[29].

     ولكن الدكتور صلاح الفرطوسي أشار في كتابه (مرقد أمير المؤمنين وضريحه) إلى أن الشاه عباس الأول قام بتجديد العمارة القديمة وإصلاح الموجود في زمانه، ولكنه لم ينقل العمارة إلى طورها الحالي، فهو إصلاح يتعلق بما كان قائما، وإن الإعمار أخذ طابعا جديدا في عهد الشاه صفي حفيد الشاه عباس الأول، الذي أمر بتجديد القبة الشريفة وفسحة الحرم وتوسعته في السنة التي زار فيها النجف الأشرف عام 1042هـ[30] .

     تمتاز هذه العمارة عن العمارات السابقة بالهندسة الفنية المعمارية الرائعة والسعة والفخامة في المنظر، وهي تعد بحق آية من آيات الفن الإسلامي الأصيل، لاسيّما مع ما شهدته من إضافات مهمة في عهد نادر شاه الافشاري، التي من أهمها تذهيب القبة العلوية المطهرة والإيوان الشرقي الذي يسمى اليوم بالإيوان الذهبي، وقد ابتدأ العمل بتذهيبها سنة1154هـ وانتهى سنة 1156هـ[31]، وقد انفق نادر شاه في ذلك عشرة آلاف نادري، كما أنفقت زوجته مائة ألف تومان نادري لترميم سور المشهد وتجديد القاشاني فيه[32]، مضافا إلى أن الشاه المذكور أهدى إلى الضريح المقدس الهدايا والتحف التي لا تقدر بثمن[33].

ومما يجدر ذكره أن العمارة الصفوية حين شيدت كانت خلواً من كل تزيين، "وإذ زار السلطان" نادر شاه مدينة النجف أمر أن تكسى القبة الموقرة بالإبريز (الذهب الخالص) وأمر بأن تكسى المئذنتان والإيوان وأن تطلى الكتابة الممنطقة للقبة من داخلها بالميناء والفسيفساء"[34] وذلك في سنة 1156 هجرية وقد ثبت تأريخ تذهيب القبة والروضة كتابة بالحروف الذهبية على جبهة الإيوان الزاهي.

     والعمارة السادسة لمرقد الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) تضم بعض الظواهر الفلكية المهمة، فقد صمم الجدار الشرقي للصحن الشريف ليكون بمثابة شاخص لتعيين وقت الزوال على مدى فصول السنة وهذه الظاهرة موجودة في مكانين من هذا الجدار، ومن الظواهر الأخر التي تتكرر كل يوم عند شروق الشمس وغروبها وفي جميع فصول السنة، حيث تنفذ أشعة الشمس عند بزوغها الى داخل الحرم المطهر من الشباك الشرقي الذي يقع اسفل القبة الشريفة، وفي ساعة الغروب، تغرب الشمس بخروج آخر حزمة من أشعتها من داخل الحرم الطاهر من الشباك الغربي الذي يقع في اسفل القبة الشريفة[35].

 

 

وصف العمارة الحالية للحرم:

يعدّ الحرم العلوي المطهر بعمارته البهية أبرز معلم من معالم مدينة النجف الأشرف، ويقع وسط مدينتها القديمة تماما، ويضم الحرم العلوي: الصحن الشريف، والروضة الحيدرية المطهرة بقبتيها الداخلية والخارجية، ومئذنتيها المذهبتين، وخزائنها النادرة، ومكتبتها العامرة، وملحقات أخرى عديدة , آخرها صحن فاطمة الملحق لصحن الامام علي(عليه السلام).

 

--------------------------------------------------

[1]ـ الكامل في التاريخ:7/36-37.

[2]ـ تولى داود بن علي امارة الكوفة في عهد السفاح، ثم عزله وولاه امارة المدينة ومكة واليمن واليمامة والطائف.

[3]ـ بحار الانوار: 42/313.

[4]ـ مشهد الامام علي: 129-136.

[5]ـ دليل النجف الاشرف: 24.

[6]ـ مشهد الإمام: 1/199، وماضي النجف وحاضرها: 1/41- 48.

[7]ـ  لدلائل البرهانية في تصحيح الحضرة الغروية ـ للعلامة الحلّي ـ م 2 ص 837 ـ 852، المطبوع مع كتاب الغارات ـ للثقفي.

[8]فرحة الغري ص61.

[9] ابن طاووس في الفرحة 2/201.

[10]- فرحة الغري: 145.

[11]- المصدر نفسه: 17.

[12]- مرقد وضريح امير المؤمنين(عليه السلام): 144.

[13]- المصدر السابق: 148.

[14]- فرحة الغري : .17.

[15]- المفصل: 2/37.

[16]- فرحة الغري: 17.

[17]- دلائل الامامة: 459.

[18] ينظر : رحلة ابن بطوطة.

[19] ينظر: فرحة الغري ص53.

[20]- فرحة الغري: 18.

[21]- عمدة الطالب: 63.

[22]- اعيان الشيعة: 1/537.

[23]- المفصل: 2/40.

[24]- اعيان الشيعة: 1/538.

[25]- ماضي النجف وحاضرها: 1/47.

[26]- المفصل: 44.

[27]- المصدر نفسه.

[28]- مرقد الإمام أمير المؤمنين وضريحه: 197.

[29]- المفصل: 45.

[30]- مرقد وضريح الإمام أمير المؤمنين: 201-202.

[31]مرقد الإمام  أمير المؤمنين(عليه السلام) وضريحه: 234.

[32]- المصدر السابق: 205.

[33] المصدر السابق: 236.

[34] الفُسَيْفِسَاءُ: قِطَعٌ صغارٌ ملوَّنةٌ من الرخام أَو الحصباءِ أَو الخَرَزِ أَو نحوها يُضَمُّ بعضُها إلى بعض فيكوَّن منها صور ورسوم تزين أَرضَ البيت أو جُدرانَه وَتُؤَلِّفُ أَشْكَالاً هَنْدَسِيَّةً جَمِيلَةً. وقيل الفُسَيْفِسَاء: هو فن وحرفة صناعة المكعبات الصغيرة واستعمالها في زخرفة وتزيين الفراغات الأرضية والجدارية عن طريق تثبيتها بالملاط فوق الأسطح الناعمة وتشكيل التصاميم المتنوعة ذات الألوان المختلفة, وهو من أقدم فنون التصوير.

[35]- مساجد ومعالم: 49.