فضل مجاورة الدفن

       اشتهرت مدينة النجف الاشرف بالدفن كونها مدفن وصي النبي محمد(صلى الله عليه واله) الإمام علي بن ابي طالب(عليه السلام) أما الأمر الثاني فهو مدارسها القديمة التي أنشئت لدراسة علوم الشريعة الإسلامية، وفنون اللغة العربية على الطريقة المألوفة ... ومن الأمور التي ذاع بسببها اسم النجف الأشرف على ما نرى كثرة شعرائها فلا نعرف في بلدان العرب بلدة تجاري النجف بكثرة تخريجها للشعراء خصوصا في القرون الأربعة الأخيرة، رغم صغر رقعتها وأنها لا تعد في الحواضر الكبيرة.

        والنجف الأشرف او الكوفة او الغري.. والتي تسمى أيضاً بوادي السلام، هذه التربة التي لها قدسية وشان عظيم قد اشتراها النبي ابراهيم (عليه السلام)، وكذلك روي ان الامام علي(عليه السلام) اشترى ما بين الخورنق الى الحيرة الى الكوفة من الدهاقين بأربعين درهماً.. فقيل يا امير المؤمنين تشتري بهذا المال وليس ينبت حطبا، فقال سمعت رسول الله (صلى الله عليه واله) يقول (كوفان يرد اولها على اخرها يحشر من ظهرها سبعون الفا يدخلون الجنة بغير حساب واشتهيت ان يحشروا في ملكي)، وكذلك قال الامام امير المؤمنين (عليه السلام): (ما احسن منظرك واطيب قعرك اللهم اجعله قبري).

       وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (انه إذا أراد الخلوة بنفسه أتى إلى طرف الغري، فبينما هو ذات يوم هناك أشرف على النجف، وإذا برجل قد اقبل من البرية راكباً على ناقة وقدّامه جنازة، فحين رأى علياً(عليه السلام) قال له: من أين؟ قال: من اليمن، قال: وما هذه الجنازة التي معك، قال: جنازة أبي أتيت لأدفنها في هذه الأرض، فقال له علي (عليه السلام): لم لادفنته في أرضكم، قال: أوصى إلي بذلك، وقال: انه يدفن هناك رجل يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر، فقال له علي(عليه السلام): أتعرف هذا الرجل؟ قال: لا، وقال(عليه السلام): أنا والله ذلك الرجل قم فادفن أباك، فقام فدفن أباه".

       وفي كتاب إرشاد القلوب: روي عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنه قال: الغري قطعة من الجبل الذي كلم الله عليه موسى تكليما وقدس عليه عيسى تقديسا، واتخذ عليه إبراهيم خليلا، ومحمدا صلى الله عليه وآله حبيبا، وجعله للنبيين مسكنا".

    وقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه وآله) لعليّ(عليه السلام): إنّ اللَّه عرض مودّتنا أهل‏البيت على السّماوات والأرض، فأوّل من أجاب منها السّماء السّابعة ... ثمّ أرض كوفان، فشرّفها بقبرك ياعلي".

وقال الصادق (عليه السلام): "لا يبقى مؤمن في شرق الأرض وغربها، إلاّ حشر اللَّه روحه إلى وادي السّلام".

     وكانت النجف محل دفن موتى شيعة أهل البيت (عليهم السلام) بعد استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام)، وذكر الشيخ الأميني مقولة الكميت الأسدي الشاعر لولده المستهل حينما حضرته الوفاة فقال له (يا بني إنه بلغني في الروايات: إنه يحفر بظهر الكوفة خندق، ويخرج فيه الموتى من قبورهم، وينبشون منها فيحوّلون إلى غير قبورهم فلا تدفني في الظهر ولكن إذا مت فامض بي إلى موضع يقال له: "مكران" فادفني فيه)(الغدير، عبد الحسين الأميني 212:1)، ويذكر أن الكميت استشهد في خلافة مروان بن محمد سنة 126هـ.

     وقد جاور جماعة من العلماء والفقهاء والفضلاء والملوك والكتاب والشعراء والخطباء والقادة والأبطال وغيرهم تبركاً بأمير المؤمنين (عليه السلام) مدفناً استناناً بما ورد من أن الدفن بجوار أمير المؤمنين (عليه السلام) يقي من ضغطة القبر  وحسابه، ومن جميل ما قيل في هذا الجانب:

       ****** 

إذا مت فادفني مجاور حيدر

أبا شبر أعني به وشبيري

       ****** 

فتى لا تمس النار من كان جاره

ولا يختشي من منكر ونكير

       *******

وعار على حامي الحمى وهو في الحمى

إذا ضل في البيدا عقال بعيري

        ******

        وقيل ان من مميزات هذه التربة اسقاط عذاب القبر وترك محاسبة منكر ونكير، وتعتبر محشراً لأرواح المؤمنين، فعن الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام): (ما من مؤمن يموت في بقاع الأرض إلا قيل لروحه الحقي بوادي السلام، وإنها لبقعة من جنة عدن". 

       النجف الاشرف مدينة عريقة ممتدة جذورها الى حقب زمنية بعيدة، ارض الحضارات والتأريخ الحافل بالعناوين الشامخة التي تستمد منها الامم والشعوب صور حيّة وخطوط واضحة لمناهج الحياة، هذه المدينة التي خط حدودها خليل الله النبي ابراهيم (عليه السلام) عندما اشتراها، وثبّتت من ولي الله وسيد الوصيين الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) وشعّت وأنارت لآلاْ عندما دفن فيها، وصار منارا ومنبرا يقتدي به المسلمون وينهلون من منابعه مختلف العلوم وطريقا الى الاسلام الحقيقي.