فناء الحرم (البهو او الطارمة) و الإيوان الذهبي

 
        تقع منطقة فناء الحرم(الطارمة) في الجهة الشرقية للصحن الشريف ومقابل الإيوان الذهبي (المدخل الرئيسي لأروقة الحرم العَلَوي)، وترتفع(الطارمة) عن أرضية الصحن الشريف بمقدار(20سم) ويبلغ طولها ( 42م )، وعرضها (7،50م)، وهي مكسوة بالمرمر الأخضر، ويمكن الدخول إليها من الجهة الشمالية والجنوبية فقط، أما الجهة الشرقية فقد أغلقت على امتدادها بسور يرتفع عن ارض(الطارمة) بمقدار(90سم) يعلوه سياج جميل الصنعة ذي لون فضي برّاق ارتفاعه (75سم).
      وبالنسبة لمدخل الطارمة الجنوبي فهو يتخذ شكل المستطيل الذي يحصر بين جانبيه الضيقين مسافتين تشبهان الغرف الصغيرة(وهما مختلفتان في الحجم) استغلتا سابقا كأماكن لحفظ أحذية الزائرين (كيشوانيات).
     يطوق المدخل عند جزئه العلوي ما يشبه الشرفة، يعلوها سياج من الألمنيوم الفضي، وهي مغلفة بالقاشاني المعرق الفاخر المزين بالنقوش النباتية والكتابات الإسلامية، حيث كتب على شريط رفيع عند أعلى الشرفة أسماء الله الحسنى، وأدناه بمسافة كتبت مقاطع من حكم الإمام أمير المؤمنين(ع) وهي كالآتي: (العفاف زينة الفقر والشكر زينة الغنى) (من أعطي الدعاء لم يحرم الإجابة ومن أعطي التوبة لم يحرم من القبول ومن أعطي الشكر لم يحرم الزيادة) (كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد) (اشد الذنوب ما استخف به صاحبه) (من صارع الحق صرعه) (الناس ثلاثة فعالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح) (من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره ومن رضي برزق الله لم يحزن على ما فاته).
 
      وعلى واجهات المدخل المطلة على الصحن الشريف كتب على الكاشي المعرق بخط ذهبي فاخر أوصاف لأمير المؤمنين وهي كالآتي: (باب مدينة الحكمة) (أسد الله الغالب) (ساقي الكوثر) (أمير المؤمنين صلوات الله عليه) (مولى الموحدين) (ميزان الأعمال).
أما المدخل الشمالي فهو يشابه المدخل الجنوبي شكلا وحجما، ولكن يفترق عنه بالحكم التي وردت عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، حيث كتب منها الآتي: (لا غنى كالعقل ولا فقر كالجهل ولا ميراث كالأدب ولا ظهير كالمشاورة) (لا يرجون احد منكم إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه ولا يستحين احد منكم إذا سئل عم لا يعلم أن يقول لا اعلم) (من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) (أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع) (قيمة كل امرئ ما يحسنه) (فليكن سرورك بما نلت من آخرتك وليكن اسفك على ما فاتك منها وما نلت من دنياك فلا تكثر فيه فرحا) (الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر).
     يقع ضمن(الطارمة) قواعد المئذنتين وباب الصعود إليهما، بالإضافة إلى بابين إحداهما تضم حجرة مدفون فيها السيد مصطفى الخميني(قد) وهي الواقعة في الجهة الشمالية، والأخرى حجرة المؤذن وهي الواقعة في الجهة الجنوبية، كما يوجد بابين ذهبيين جنب كل قاعدة مئذنة مصنوعين من الذهب الخالص ومنقوشين بأجمل النقوش النباتية والكتابات القرآنية التي تبيّن دقة الصنعة وأصالتها، الباب الشمالي منهما يؤدي إلى مرقد العلامة الحلي(قدس سره) ويعرف باسمه، وهو يفضي عبر ممر قصير إلى رواق الحرم العَلَوي، أما الباب الجنوبي فيقع عند مرقد المقدس الأردبيلي (قدس سره) وهو لا يفضي إلى الرواق المطهر.
      في وسط الطارمة يقع الإيوان الذهبي الكبير المكسو بالذهب الخالص، وهو آية في الدقة والصنعة ورائعة من روائع فن العمارة الإسلامية، وقد امتلأ بالزخارف والنقوش، يبلغ عرض الإيوان(6،10م ) وارتفاعه( 11م).
تزين الإيوان الذهبي ظفيرة ضخمة من الذهب الخالص، كما يحتوي في أعلاه على مقرنصات ذهبية كبيرة متدرجة نزولا إلى الثلث العلوي من الإيوان تقريبا، وهي من الفخامة والجمال بمكان بحيث تلفت النظر وتبهر النفس، كما تحتوي واجهتي الإيوان الجانبيتين على ما يشبه النوافذ المقوسة مزينة بالزخارف البارزة على المينا الزرقاء، وعددها نافذتان في كل واجهة.
نقش على الجبهة الأمامية فوق الإيوان الذهبي وبحروف بارزة تاريخ التذهيب، وهو يعتبر من الآثار التاريخية المهمة الموجودة في الصحن الشريف في الوقت الحاضر، وأرّخ الكثير من العلماء والشعراء تاريخ التذهيب منهم السيد حسين بن مير رشيد النقوي الهندي الحايري المتوفى عام (1170هـ) قائلاً:
 
              ****
يا طالباً عامَ إبداءِ البناءِ لـــــــــــها  
   أرّخْ تجلى لكم :نورُ على النور
               ****
 
      يعلو الباب الرئيسي الذي يتوسط الإيوان الذهبي جبهة على هيئة إيوان، يحوي في عمقه على مقرنصات ذهبية رائعة كتب أسفلها بالذهب وبخط كبير قول الرسول(صلى الله عليه وآله): (أنا مدينة العلم وعلي بابها) تحيط به الآيات الكريمة التالية: [ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ]، [ إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ  الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ]، وهناك شريط ذهبي في أسفل هذه الجبهة مكتوب عليه آية الكرسي والآيتين:
[ وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ]، [ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ]، وهذه الجبهة –التي تأخذ شكل الإيوان كما ذكرنا- قد أغلقت بالزجاج، وتتقدمها حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله): (علي مع الحق والحق مع علي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض) مكتوب بحروف بارزة كبيرة مصنوعة من صفائح الذهب وبخط جميل زاد الإيوان رونقا أخّاذا.
     وتتوزع على جانبي واجهات الإيوان الذهبي أحاديث وأبيات شعرية بحق أمير المؤمنين(عليه السلام) مكتوبة بخط ذهبي بارز على المينا الزرقاء، كما تنتشر الزخارف النباتية البارزة الجميلة والمتقنة مبثوثة بشكل متناظر ودقيق.
إن دقائق الإيوان الذهبي أكثر من أن تحصى في هذه العجالة، ولكن إجمالا نقول بأن الإيوان الذهبي وما يحيط به يعد من أجمل واهم سمات العتبة العلوية المقدسة ومعلما بارزا من معالمها.
       على جانبي باب الإيوان الذهبي نصبت زيارة لرسول الله(صلى الله عليه وآله) تُقرأ قبل الدخول إلى الرواق وهي (بسم الله الرحمن الرحيم السلامُ على رسولِ اللهِ أمينِ اللهِ على وحيهِ وعَزائمِ أمرهِ الخاتِمِ لما سبقَ والفاتِحِ لما أستُقبِلَ والمُهَيمِنِ على ذلك كلِّهِ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ السلامُ على صاحبِ السكينةِ السلامُ على المدفونِ بالمدينةِ السلامُ على المنصورِ المؤيَّدِ السلامُ على أبي القاسِمِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ).
كُتِب في وسط الإيوان الذهبي على جانبي الباب قصيدة فارسية بحروف ذهبية بارزة في مدح الأمير(عليه السلام) للسيد عرفي الشاعر المتوفى سنة (999هـ) وتعرف بهراس ومماسوأشار الشيخ جعفر والتميمي في كتابيهما أن على الإيوان أربعة أبيات باللغة العربية اثنان منها على يمين المتوجه إلى الباب وهما: 
 
             ****
   لا تُقْبل التوبةَ مِنْ تائبٍ
  إلاّ بحبِّ ابنِ أبي طالبِ
            ****
 
   حبُّ علي واجبٌ لازمُ
  في عُنُقِ الشاهدِ والغائبِ

            ****

واثنان على يساره وهما :

           ****

  لي خَمْسَةٌ أطفي بها
  نارَ الجحيمِ الحاطِمَة

          ****

المصطفى والمُرْتضى
  وابناهما وفاطمة

           ****

       والأبيات الشعرية لا نجدها اليوم حيث رفعت كما رفع العديد من المعالم والتواريخ المهمة في زمن النظام السابق، ووضع بدلاً عنها أحجار صقيلة مطلية بالذهب، ولكن بقيت على جبهة الإيوان الذهبي العديد من النقوش النباتية الجميلة والكتابات التاريخية القديمة، والتي أرخت لزمن عمل الإيوان وتذهيبه في عهد نادر شاه، فعلى يسار الجبهة العليا للإيوان كتب (ناد علياً مظهر العجائب تجده عوناً لك في النوائب ***كل هم وغم سينجلي بولايتك يا علي يا علي يا علي) وكتب تحتها(محمد علي نقاش في سنة 1156هـ) ويبدو أن النقاش الذي قام بهذا العمل من أهالي مدينة أصفهان الإيرانية، حيث وردت كلمة (أصفهان 1156) في إحدى النقوش على الجبهة العليا للإيوان الذهبي. 
        وقد زخرف أعلى الإيوان بشريط من الكتابة بخط الثلث يحتوي على تاريخ تذهيب القبة والمئذنتين والإيوان بأمر السلطان نادر شاه، وفي هذا الإيوان دفن الكثير من العلماء والأعيان، وقد كانت أسمائهم منقوشة على جدران الإيوان، ولكنها ضاعت عند خلعها لتذهيب الإيوان.
والشريط المذكور المتقدم غير موجود اليوم في الإيوان وقد رفع في زمن النظام السابق ووضع بدلا عنه صفائح ذهبية صقيلة.
وفي آذار سنة(1991م) وبعد أن سيطر الأهالي على مدينة النجف الأشرف، قام جيش النظام السابق ومن أجل إعادة السيطرة على المدينة بقصفها بالصواريخ والمدفعية واستباحها بمعداته الضخمة حيث دخلت الدبابات مركز المدينة، ومن جراء القصف على الصحن الحيدري الشريف حدثت تصدعات كبيرة في الإيوان الذهبي، فخرّبت الكثير من التواريخ والأبيات الشعرية التي كانت موجودة قبل القصف الهمجي، فالآثار التأريخية كانت منقوشة على الصفائح الذهبية والتي قلعت بعد الأحداث واستبدلت بأخرى صقيلة، يمكن رؤيتها اليوم كشيء دخيل على منظر الإيوان الذهبي.