الكرامة الرابعة

من الشارقة إلى ارض الانبياء والصالحين

      من دولة الإمارات العربية المتحدة، ومن إمارة الشارقة تلك المدينة المعروفة بالقيم الأصيلة والموروث التاريخي والثقافي الممتزج بالحداثة أقبلت إلى مدينة النجف الاشرف، مدينة الأنبياء والصالحين، مدينة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، ومركز العلم والعلماء، أقبلت تلك الأسرة الموالية لأهل البيت(عليهم السلام) وكلها أمل وشوق في قضاء حاجاتها، وصلت وهي تحمل هموماً ودعوات وحوائج تنشد قضائها عند باب مدينة علم رسول الله(صلى الله عليه وآله)، انها أسرة الفتاة(دعاء عبد الكريم السهلاني).

      تلك الفتاة ذات الربيع التاسع عشر التي اصيبت بمرض اجلسها على كرسي متحرك، ذلك الكرسي المخصص للمعاقين ممن تكون حالته حرجة، وهذا ما اصاب تلك الفتاة المسكينة إذ انها اصيبت بالشلل، ثم ما لبثت ان لازمت ذلك الوضع واصبحت حبيسته..

    لم تهدأ سكينة اسرة عائلة(دعاء)، ولم يغمض لها جفن، وهي تشاهد ابنتها الغالية وهي طريحة الفراش، فترددوا على كثير من الأطباء وسافروا إلى بلدان عدة المعروفة بتقدم مجالها الطبي والعلمي عموماً، ولكن دون جدوى، فالشفاء اصبح مستحيلاً بسبب عدم تشخيص حالتها المرضية، ومعرفة الاسباب التي ادت إلى وصول (دعاء) إلى ما وصلت إليه..

      ايقنت هذه الاسرة الموالية ان الشفاء في صالات الاطباء قد انعدم، ويئست من مراجعتهم والتداوي بدوائهم، ولكنها لم تيأس من رحمة الباري عز وجل، فأيقنت ان الشفاء موجود عند أهل بيت الرحمة(عليهم السلام)، فعزمت على القدوم قاصدين أرض الأنبياء والصالحين في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، فغادروا ديارهم وهم واثقون ممن سيفدون عليهم، وذكر الله تعالى قد لازم السنتهم، وانغمست فيه افئدتهم، حتى وصلوا بلاد النهرين، وعبروا حدود المكان والزمان، والاشتياق للوصول إلى مرقد سيد الاوصياء وأبا الحسنين الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) هي غايتهم الأولى التي رسمت في عيونهم..

     وصلوا إلى المكان المقصود، فتلاحت تلك القبة الشامخة لمولى الموحدين، تهافتت قلوبهم نحو المرقد الطاهر، فتحركوا بخشوع ونفس مطمئنة، والأب قد تناول بأذرع الكرسي وهي يدفعه إلى الإمام وعيونه قد تعلقت بتلك القبة الشامخة التي اشارت من بعيد إلى مثوى ولي الله في ارضه، ومنبع الحكمة، ومهوى افئدة المؤمنين، تباطأت الخطوات وهي تمتزج بتسبيح الله تعالى والتمجيد له، والدعاء والتوسل طبع على شفاه الاسرة المألومة حتى وصلت إلى ابواب المرقد العلوي المطهر، ودخلت إلى ساحة اللطف الإلهي، فارتمت في بحر الرحمة الإلهية، وباب المغفرة، تحرك الأب وهو يدفع ابنته بخطوات متسارعة فوصلوا إلى محطتهم الأخيرة، الضريح الطاهر لأمير المؤمنين(عليه السلام)، لتبث (دعاء) شكواها بنفسها، وتتوسل بإمامها وملاذها بإن ينجيها من الشدة التي وقعت بها، كل هذا وعيني والداها تلاحقها في حركاتها وسكناتها، وهو في عالم آخر، عالم بعيد عن الماديات، وتتجلى فيه الكمالات الإنسانية، فتجري الدموع من غير إرادة، كقطع الثلج، دموع ممزوجة بالوقار وطمأنينة القلب، فلم تمضي سوى ساعة من الزمن، حتى تعالت اصوات التكبير والتمجيد المتعالية قرب الضريج المطهر، فينتبه الأب إلى من حوله ويشاهد ابنته قد وقفت على قدميها وهي تتمسك بشباك الضريح المطهر وهي تجهش بالبكاء، تعلّق الأب بالشباك المطهر واحتضن ابنته، وهو يرفع صوته بالتكبير والتهليل والحمد لله تعالى على هذه النعمة الكبيرة التي انعمها الباري عز وجل، وبعد ان ازدحم الزائرين على (دعاء) وأبيها، اخذ الاب بيد ابنته وعزم على مغادرة الضريح المطهر بالرغم من تعلّق قلوبهم بالنفحات القدسية للضريح المطهر، وبعد ابتعادهم خطوات من باب الايوان الذهبي وهم يهمون بالخروج إلى باحة الصحن الشريف، تعالى صوات أذان الظهر في الصحن الحيدري الشريف، فاختارت (دعاء) ان تكون صلاتها بالقرب من باب المقدس الاردبيلي، ولكن صلاتها هذه المرة هي الصلاة نفسها التي كانت تأتيها قبل ان تمرض مرضها الأخير، إذ وقفت على قدميها وتوجهت إلى جهة الكعبة المشرفة ورددت تكبيرات الدخول للصلاة وصلت صلاة الظهر والعصر ثم ركعتي الزيارة، بعد ذلك سجدت شكراً لله تعالى على نعمة شفائها ببركة مولى الموحدين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)[1].

 

 

----------------------------------------------------

 

[1] ينظر: علاء حيدر المرعبي, مع أريج الفائزين بكرامات أمير المؤمنين.