تقع محافظة النجف الأشرف وسط العراق في الجزء الجنوبي الغربي من العاصمة بغداد على مسافة مائة وستين كيلومترا منها، وهي من محافظات الفرات الأوسط وتحيط بها محافظة كربلاء ومحافظة بابل من الشمال ومحافظة القادسية أو الديوانية والمثنى أو السماوة من الشرق، والأنبار أو الرمادي من الغرب والحدود الدولية مع المملكة العربية السعودية من الجنوب.

     كانت مدينة النجف والكوفة كأقضية تابعة أدارياً إلى محافظة كربلاء حتى عام (1976) بعد إعادة تنظيم التقسيمات الادارية على مستوى العراق، والذي لا زال معمولاً به، وقبل هذا التاريخ كان قضاء النجف بمساحة (1328) كم2 والذي يتبعه إداريا ناحية خان الحماد وبمساحة (840) كم2 وقضاء الكوفة وبمساحة (61) كم2 وتلتحق به إداريا ناحيتي العباسية والحرية وبمساحة (387) كم2، وبلغ مجموع سكان قضائي النجف والكوفة (216134) ألف نسمة حسب تعداد (1965) حيث مثلت نسبة (63.6%) من سكان محافظة كربلاء وبنسبة (2.6%) من سكان العراق, والذي كان يبلغ عدد سكانه في عام (1965) (8.261.000) مليون نسمة وفي هذا المجال نذكر حقيقة التزاحم والاكتظاظ السكاني في قضاء مركز النجف والذي بلغ عدد سكانه (133799) ألف نسمة على الرغم من موقعه الصحراوي وانحسار الزراعة فيه، وحجم المعاناة المعيشية مما يشير إلى سمو القيم الروحية والدينية على القيم المادية والاقتصادية للمجتمع النجفي. ويبلغ عدد سكان محافظة النجف وفق إحصاء وزارتي التخطيط والتجارة لعام 2003م حدود (946251)، وإن كان المظنون أنها تخطت عتبة المليون ساكن ممتدة جغرافيتها المكانية بين دائرتي العرض (50 29 – 21 32) شمالا وخطي الطول (50 42 – 44 44) شرقا [1]. وفي عام 2010 اي بعد ما يقارب نصف قرن بقليل عن تعداد عام 1965، فأن عدد سكان محافظة النجف الاشرف (بافتراض إلحاق قضاء أبي صخير سابقا، والمناذرة حاليا الى محافظة النجف الاشرف والذي كان تابعا لمحافظة الديوانية), ازداد من (299783) نسمة عام (1965) الى (1075053) عام (2010), أي بحدود ثلاثة اضعاف ونصف، بينما كانت زيادة عموما العراق بحدود الاربعة اضعاف ، حيث بلغ عدد السكان في العراق (8097330) نسمة عام (1965) ثم ازداد الى (32437949) نسمة عام (2010). وبالنظر الى الزيادة في التركيبة السكانية لأقضية محافظة النجف الاشرف ، نلاحظ أن عدد سكان قضاء النجف المركز (138321) نسمة في عام (1965)، والذي ازداد الى (623208) نسمة في عام (2010) وبما يقارب خمسة اضعاف بقليل، وعدد سكان قضاء الكوفة (77813) نسمة عام (1965) الى (319328) نسمة وبحدود أربعة أضعاف، وفيما له علاقة بعدد سكان أبي صخير (سابقاً) فانه ازداد من (83649) نسمة في عام (1965) الى (251067) نسمة وبما يعادل ثلاثة اضعاف[2].

     أما مساحة محافظة النجف الأشرف فقد بلغت (28824 كم2)، ويتركز الاستيطان السكاني لساكنيها في القسم الشمالي منها في مدن المحافظة الكبرى الثلاث وبخاصة في مركز محافظتها (النجف)، وهذه المدن العامرة ثلاثتها سواء النجف أم الكوفة أم الحيرة ذات تاريخ حافل وماض تليد.

     وتتربع أرض النجف المكونة من عشر طبقات مختلفة السمك على هضبة مرتفعة يبلغ ارتفاع أعلاها حوالي (176 متراً) فوق مستوى سطح البحر، وحوالي 40 مترا من مستوى نهر الفرات المجاور لها في مدينة الكوفة وأما المستوى العام لارتفاعها باتجاه حافاتها الغربية فيتراوح بين (100-120 مترا) [3]. ومدينة النجف هي مبتدأ طريق الحج البري الموصل الى المدينة المنورة، ثم الى مكة المكرمة، ويمتد بعدها حتى حدود الصين. ويبلغ طول طريق الحج البري بحدود 1350 كم2 وهو طريق قديم جدا غير معبد قد يعود تاريخه الى سنة 170هجرية حيث عرف بطريق زبيدة زوجة هارون الرشيد وكانت سلكته وتسلكه القوافل الذاهبة الى أداء فريضة الحج منطلقة من النجف وآيبة اليه سنويا. ويذهب المؤرخون الى أن هارون الرشيد سلك هذا الطريق سبع مرات لأداء فريضة الحج وقد أصلحه وزوده الرشيد بما يحتاج اليه المسافر من ماء وزاد ومأوى.كما أن قوافل الحجيج في العصر العباسي ما كانت ترحل لأداء الفريضة المقدسة إلاّ عبره، واستمرت الحال على ارتياد هذا الطريق لأداء الشعيرة المقدسة في العصر المغولي والجلائري والصفوي[4]. ثم أثرت الظروف السياسية وإرادات الحكام الظلمة بعد ذلك على هذا الطريق الحيوي لاحقا فأوحشته، وحجّمت دوره أحيانا ومنعت السفر عبره أخرى وهكذا، بيد أن هذا الطريق نشط أخيرا بعد سقوط النظام الصدامي عام 2003م. وسيستمر إذا ما أولته محافظة النجف الاهتمام الذي يستحقه.

     أما مناخ النجف فبارد جاف شتاء تصل معدلاته في شهر كانون الثاني الى حدود (10درجات مئوية) وحار صيفا تبلغ معدلاته بحدود (35درجة مئوية) في شهر تموز حسب دعاوى دائرة الأنواء الجوية في النجف وإن كان ساكنوها يشعرون - وأنا منهم- أنها أكثر برودة في الشتاء وأشد حرارة في الصيف مما تدعيه قراءة الأنواء المتقدمة.

     يذهب علماء الآثار وباحثو علم طبقات الأرض الى أن مدينة النجف والمنطقة التي حواليها يرجع تاريخها الى عصر (البلايستوسين المتوسط) وما تلاه وصولا الى العصر الحجري القديم بما يقدر زمنيا بأكثر من مليون سنة ماضية.مؤسسة فوق هضبة من الحجر الرملي الميال الى اللون الأحمر[5].

     "وكانت النجف بحكم موقعها الكائن على حدود البادية، ومركزها الديني والاجتماعي الفريد في بابه، تقع في طريق الكثير من القوافل التي تأتي من الغرب عن طريق حلب وتستهوي الكثير من المسافرين في تلك الأيام فيمرون بها أو يتوقفون فيها مدة من الزمن. ويبدو مما جاء في كتابات عدد من الرحالة الأوروبيين يومذاك أن القوافل التي كانت تسير بين حلب وأصفهان كان بوسعها ان تسلك خمسة طرق عامة معروفة، غير الطريقين اللذين كانا يمران بالأناضول فيربطان بين اسطنبول (أو أزمير) وأصفهان، وقد كان أول هذه الطرق يبدأ بحلب، ويقع إلى يسار المتجه في الاتجاه الشمالي الشرقي، لكنه يمرّ بديار بكر وتبريز. وكان الطريق الثاني يتجه من حلب إلى الشرق رأساً فيحاذي بلاد ما بين النهرين، ويمرّ بالموصل فهمذان. أما الطريق الثالث فقد كان ينحرف أكثر من ذلك نحو الجنوب، ويجتاز بادية صغيرة ثم يمر بعانة والنجف وبغداد والبصرة. وكان الطريق الرابع يقع إلى يمين الذاهب إلى الجنوب الشرقي، فيمر بالنجف وبغداد أيضاً، وكان هناك طريق خاص يخترق البادية الكبيرة بطولها نحو البصرة، وكانت القوافل التي تسلكه تمر بالنجف أحياناً، لكنه لم يكن يسلك إلاّ مرة واحدة في السنة، أي حينما كان يقطعه تجار تركيا ومصر لشراء الإبل. ولاشك ان هذه الطرق هي التي كان يسلكها الرحالون الغربيون الذين اُخذ تواردهم على هذه الجهات بكثير بحلول القرن السابع عشر"[6].

      ولقد ساعد موقع النجف الجغرافي على ربط العراق منذ الألف الثالث قبل الميلاد بجزيرة العرب عبر بوابة النجف " وتشير المصادر التاريخية الى سعة العلاقات ما بين الحيرة والأحساء ونجد والحجاز واليمن، والى وجود اتصالات وثيقة ما بين أهل الحيرة وأهل مكة"[7] ثم بعد أن تضاءل دور الحيرة ونما دور الكوفة في العصر الإسلامي تجددت أهمية هذا الطريق باعتباره ممرا لجيوش المسلمين الخارجة من الجزيرة صوب شرق العالم الإسلامي حيث معسكر المسلمين في الكوفة، ومسلكا لحركات الهجرة الزاحفة من الجزيرة صوب بلاد ما بين النهرين دجلة والفرات بعد أن تعرضت الجزيرة العربية الى موجة جفاف قاحل وقحط شديد[8].

 

 

----------------------------------------------------------------------------------

[1] محافظة النجف الأشرف التشكيل الإداري وتحليل الموقع المكاني. سابق: 16.

[3]أنظر: أرض النجف. د. موسى جعفر العطية:61 و26 من الكتاب.

[4]أنظر: ماضي النجف وحاضرها. سابق: 1/405.

[5] موسوعة العتبات المقدسة 6. قسم النجف:1/ 234.

[6]  المصدر السابق: 201.

[7] محافظة النجف الأشرف التشكيل الإداري وتحليل الموقع المكاني. سابق:23 نقلا عن: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام. د. جواد علي: 7 / 335.

[8] أنظر:محافظة النجف الأشرف التشكيل الإداري وتحليل الموقع المكاني.سابق:23.