النجف بعد الشيخ الطوسي

      ويستمر ذلك حتّى القرن السابع الهجري، وإذا بمدينة الحلة تغدو هي البديل من النجف، وإذا بها مقرّ كبار علماء الشيعة ومقرّ تدريسهم، على أن النجف ظلت محتفظة بطابعها العلمي، وظل فيها من العلماء والفقهاء، من يملأون فيها فراغاً لابد من إملائه, ويبدو من الغرابة بمكان، أن يتحول التدريس من النجف إلى الحلة، وأن يستبدل العلماء المقام في الحلة بالمقام في النجف، ويتراءى أن التعليل الصحيح لذلك، هو جفاف الحياة في النجف وقسوة العيش فيها، لا ماء ولا شجر، بل حَرور متصل معظم الشهور، لا يلطفه ظل ولا يخففه نسيم, ويبدو أنّه من هنا انطلقت فكرة نقل التدريس إلى مدينة الحلّة التي يشقّها نهر الفرات، وتحيط بها الحدائق والبساتين,وما دامت النجف قريبة، فإن القلوب الظامئة لزيارة قبر الإمام علي"عليه السلام": تستطيع وهي في الحلة، أن تتجه إليه، وتستطيع أن تنتقل بأجسادها بين شهر وشهر للاستمتاع بجواره,ولكن الأمر ما لبث أن عاد إلى أصله، وعادت النجف دار العلم والتدريس، على أن الحال لم تستقر بها استقراراً تاماً، بل ظلت بين مدّ وجَزْر,إلى أن جاء عهد وَرِثَت فيه مدينةُ كربلاء كلا المدينتين,النجف والحلة,ويبدو أن السرّ في ذلك، هو أن كربلاء تجمع إليها ما في المدينتين؛ ففيها ضريح سيد الشهداء الإمام الحسين"عليه السلام"، وفيها الظلال والماء,وظلت كربلاء معهد الشيعة الأكبر، حتّى مطلع القرن الثالث عشر الهجري, وبانتقال السيّد مهدي الطباطبائي، المعروف ببحر العلوم من كربلاء إلى النجف، استقرّ الأمر في النجف استقراراً كاملاً، كان من أكبر دعائمه شخصية السيّد مهدي نفسه، بما تحلّت به من سجايا وفضائل، جَعَلت منه عالِماً فذّاً بين العلماء القادة, ثمّ أعقبه تلميذه الشيخ جعفر كاشف الغطاء، فزاد الأمرُ إحكاماً، وعادت النجف مدرسة الشيعة الكبرى، ومعهدهم الأول، ودار هجرتهم العلمية حتّى اليوم" يقول الشبيبي" ما زالت النجف من أكبر عواصم العلم للشيعة، وهي أكبرها منذ نحو قرنَين، وما انفكّت من أول ما خُطِّطت، مأوى كثير من فقهاء الشيعة، ومتصوفيهم وزهّادهم، وما عبر عليها عصر خَلَت فيه من عالم أو أديب، غير أن لها عصوراً معروفة، حَجَّ إليها الناس فيها من أجل التعلم والتفقه، ورأَسَ على رأسِ كل عصر منها، إمامٌ واحد أو أكثر من مشاهير أئمّة الشيعة ومخرّجيهم، أقدمها عصر أبي جعفر الطوسي، على أثر هجرته إلى النجف، وإقرائه فيها الناسَ وشدهم الرحال إليه في منتصف القرن الخامس, ثمّ عصر أبي علي الطوسي ابن أبي جعفر، وقد خلف أباه ثمّةَ في الإقراء، وعاصره جماعة من أصحاب أبيه, ثمّ عصر عماد الدين الطبري النجفي، تلميذ أبي علي الطوسي في منتصف القرن السادس, وفي هذا العصر زاحمت الحلةُ السيفيةُ النجفَ من الجهة العلمية، وصارت إليها رحلة الشيعة نحو ثلاثة قرون، ففتر الناس عن الرحلة إلى النجف من تلك الجهة مدة طويلة، أي من منتصف القرن السادس، حيث عصر ابن إدريس وسديد الدين الحِمْصي في الحِلّة، إلى منتصف القرن التاسع، حيث عصر ابن فهد الحلي فيها، وهو آخر عصورها المشرقة، فكان الشأن الأكبر للحلة في خلال ذلك,على أن النجف ظهر فيها طوال هذه الفترة طائفة من العلماء المشاهير، سواء كانوا ممن أخرجتهم المدينة، أو ممن جاوروا فيها,ثمّ لمّا هَرمَت الحلة، وانقضى عهدها العلمي، عادت النجف فاستقلّت مرة أخرى، بالعلم والرحلة إليه، واتصلت أو كادت حلقاتُ عصورها العلمية، من أول القرن العاشر إلى الآن، فكان أولها عصر الشيخ علي بن عبد العال الكَرَكي المحقق المشهور، ومعاصره الشيخ إبراهيم القَطيفي,ثمّ عصر الشيخ الأردبيلي الزاهد وصاحبه الملاّ عبد الله اليزدي,ثمّ عصر الشيخ عبد النبي الجزائري, ثمّ عصر الشيخ حسام الدين النجفي، فعصر الشيخ فخر الدين الطريحي, ثمّ عصر أبي الحسن الشريف ومعاصريه، فعصر الفُتوني، فعصر الطباطبائي، فعصر الشيخ جعفر الكبير، فعصر ابن الشيخ، فعصر صاحب الجواهر، فعصر الشيخ مرتضى الأنصاري، فعصر تلامذة الأنصاري وغيرهم, فهذه حلقات هذه السلسلة من العصور الآخِذِ بعضُها بأطرافِ بعض, مدارس حوزة النجف الأشرف بعد قدوم الشيخ الطوسي إلى مدينة النجف الأشرف، في القرن الخامس الهجري، أصبحت النجف محطّ الأنظار من سائر الأقطار الشيعية، وصارت على مرّ الزمن مركزاً علمياً مهمّاً، واُنشئت فيها المدارس الدينية الكثيرة, وقد أشار الرحالة ابن بطوطة إلى مدارسها هذه، كما أشار إجمالاً أو تفصيلاً غيره من المؤرخين.