اول نشاة المرقد العلوي الشريف

       خط المرقد العلوي الشريف لأمير المؤمنين وإمام المتقين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) سنة أربعين للهجرة الشريفة، وقد سوى الإمامان الحسن والحسين (عليهما السلام) قبره مع الأرض وأخفيا معالم القبر بوصية منه اليهما، وهو على ما يقول الجاحظ " أول إمام خفي قبره"، وبقي موضع خط المرقد العلوي سرا مكتوما لا يعرفه إلاّ أهل بيته والخاصة من صحبه والصالحين من أتباعه لأسباب عديدة منها كما يبدو جرأة أعدائه الظلمة على نبش قبره (عليه السلام) حتى قيل إن الحجاج بن يوسف الثقفي حاول جهده الاهتداء لموضع القبر الشريف فحفر لذلك ثلاثة آلاف قبر في النجف طلبا له ولم يعثر عليه.

     أما الخاصة من أهل بيته والخلص من أتباعه فكانوا يتعاهدونه بالزيارة والسلام بعيدا عن أعين الرقباء " فقد زاره الإمامان الحسن والحسين (عليهما السلام)، والإمام عليّ بن الحسين زين العابدين مع ولده محمّد الباقر (عليهما السلام)، وانشأ عنده الزيارة المعروفة بـزيارة (أمين الله)، وزاره الإمام محمّد الباقر عليه السلام مرّة أخرى مع ولده الصادق (عليه السلام) وزاره أيضا زيد ين عليّ (رض) مع أبي حمزة الثمالي وأبي قرة من أصحاب زيد الشهيد، وحين استقدم المنصور الإمام الصادق (عليه السلام)إلى الحيرة زاره (عليه السلام) عدّة مرات يصحبه في كلّ مرّة بعض أصحابه، وأعطى في أحدها نقوداً لصفوان الجمّال لإصلاح القب[1] وممّن زاره مع الإمام الصادق (عليه السلام) ولده إسماعيل،ومن أصحابه أبان بن تغلب،ومحمّد بن مسلم،وصفوان الجمّال، ومحمّد بن معروف الهلالي، وسليمان بن خالد، وأبو الفرج السندي، والمعلى بن خنيس، وزيد بن طلحة، وعبد الله الرضوي، والمفضل بن عمر، ويونس ين ظبيان، كما زاره من الأئمة الإثني عشر أيضا: الإمام موسى الكاظم سنة 149هـ، والإمام عليّ بن موسى الرضا سنة 199هـ، والإمام محمّد الجواد سنه 221هـ،والإمام عليّ الهادي 234هـ، (عليهم السلام)[2] وانشأ بعضهم زيارات خاصة عنده، أو أنشأوها ليزور بها أصحابهم (عليه السلام) إذا قصدوا المرقد، وهي مدونة مسنده اليهم في كتب الزيارات.

      وحين علم المنصور أنّ الإمام الصادق (عليه السلام)وعددا من أصحابه يوالون زيارة القبر، وكان كغيره من عامّة الناس يجهل موضعه، أراد أن يتأكد من ذلك بنفسه، فذهب منفرداً مع بعض خاصته وخَدمه وأمره أن يحفر في المكان المحدد للقبر، وكان يزوره بعد ذلك يناجيه معتذرا إليه مما يفعله بأبنائه"[3].

وذكروا: إنّ داود بن عليّ أيضا فعل ذلك، فشاهد كرامة باهرة أخافته، فأمر ببناء القبر وصنع صندوقاً وضعه عليه[4].

      وفي عهد هارون العباسي ـ وقد خرج للصيد في هذه المنطقة النجف الاشرف ـ رأى كرامة حملته على أنّ ينعطف ويخشع ويقيم على القبر قبةً بيضاءً،صنع على رأسها جرة خضراء،وكان ذلك في سنة 155 هجرية كما يقول الديلمي أو في سنة 170هـ كما يقول الشيرواني والمستوفي[5] وكان الرشيد يزوره ويصلّي عنده ويبكي معتذراً إليه، مما كان يصنع المنصور بولده. 

وممّن زار قبر الإمام (عليه السلام) في تلك الفترة عيسى بن جعفر. ومن الخلفاء زاره المقتفي والناصر،وأطلق عنده صلاتٍ وأموالاً، وزاره المستنصر وعدد لا يحصى من العلماء والسلاطين والشعراء والأعيان[6].

 

 

------------------------------------------------------

[1]  ابن طاووس في الفرحة 2/ 201 , الأحلام: 145. سيأتي التفصيل في الحادثة والتحقيق بالرواية في نفس هذا الفولدر, تحت عنوان: (اصلاح المرقد الشريف زمن الامام الصادق(عليه السلام) والإذن بزيارته), صفحة رقم (4).

[2] هذا ما سوف يظهر من خلال الورقة التالية: (إخفاء القبر الشريف).

[3] لدلائل البرهانية في تصحيح الحضرة الغروية ـ للعلامة الحلّي ـ م 2 ص 837 ـ 852، المطبوع مع كتاب الغارات ـ للثقفي.

[4]  المصدر نفسه.

[5] ينظر: دليل العتبات والمزارات والمشاهد الدينية في العراق, ديوان الوقف الشيعي:9.

[6] لدلائل البرهانية في تصحيح الحضرة الغروية ـ للعلامة الحلّي ـ م 2 ص 837 ـ 852، المطبوع مع كتاب الغارات ـ للثقفي.