تاريخ الحرم

سبب إخفاء قبر أمير المؤمنين (عليه السلام):

      لعل مواقف أمير المؤمنين في الحرب التي أذل بها إبطال قريش وساداتهم دفاعا عن الإسلام، وتثبيت دعائمه، أوغر قلوب أعداء الله والإسلام حقدا، وملء صدورهم غلاً... فراحوا يتحينون الفرض للانتقام منه ، والطعن به، والنيل منه....

      وليس بخاف على أحدٍ ما فعله بنو أمية (آل سفيان) ثم بنو العباس من النصب والعداء لأمير المؤمنين (عليه السلام)... ولذلك أوصى (عليه السلام)أن يخفى قبره ... لعلمه أن الأمر سيصير إلى بنى أمية من بعده، فلم يأمن أن يمثلوا بقبره من بعده " فاقتضى ذلك أن أوصى بدفنه (عليه السلام) سراً وخوفاً من بني أمية وأعوانهم والخوارج وأمثالهم فربما لو نبشوه مع علمهم بمكانه حمل ذلك بني هاشم على المحاربة والمشافقة التي أغضى عنها عليه السلام في حال حياته فكيف لا يرضى بترك ما فيه مادة النزاع بعد وفاته"؟[1] ويمضي السيد ابن الطاووس قائلا: وقد كان في طي قبره فوائد لا تحصى غير معلومة لنا بالتفاصيل وروي عن ابن عباس:" أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لعلي(عليه السلام) أن أرض كوفان شرفها بقبرك يا علي.. فقال علي(عليه السلام): يا رسول الله أقبر بكوفان العراق ؟ فقال نعم يا علي تقبر بظاهرها قتيلاً بين الغريين والذكوات البيض ...."[2].

وهذا ما دعا الحجاج بن يوسف الثقفي حينما صار الأمر لبني أمية أن يدعو إلى حفر ثلاثة آلاف قبر في النجف طلبا لجثة أمير المؤمنين (عليه السلام)[3].

لذلك لم يطلع على قبر أمير المؤمنين غير أولاده (عليهم السلام) ومن وثقوا به من شيعتهم. 

 

ظهور القبر الشريف وكرامته:

     لقد ألتزم أولاد أمير المؤمنين عليهم السلام بما أوصاهم به والدهم وبقي مكان القبر المطهر سراً من أسرار آل البيت (عليهم السلام) لا يعرفه أحد غيرهم إلا ثلة قليلة من شيعتهم المقر بين إليهم ..

     وما إن دالت دولة بني أمية، وصار الأمر بيد بني العباس انتفت أسباب إخفاء القبر الشريف.. فاخذ السر الذي كتموه سنين طويلة بالظهور فاطلعوا عليه الخلص من الذين أمنوا بالله ورسوله إيمانا حقا وأحبوا آل بيته وأخلصوا لهم إلتزاما بقوله تعالى:[ قل لا أسئلكم عليه اجراً إلا المودة في القربى]. وكان القبر وقت ذاك ربوة قائمة أو أكمة كما ذكرت ذلك الكتب التاريخية المعتبرة .

     ويروى أن داود بن علي العباسي(ت132 هـ) حاول أن يعرف سر القبر ويكتشفه فبعث ببعض غلمانه ممن يضع ثقته فيهم وكان من بينهم عبد أسود عرف بقوته الجسمانية فباشروا بالحفر حتى وصلوا ما يقرب من خمسة أذرع إلى صخرة صلدة وقفت حائلاً بينهم ومواصلة الحفر ، فطلبوا من الغلام الأسود أن ينزل ويجرب قوته فيها فضربها بقوة أحدثت صوتا ً قوياً وتلاها بثانيه وثالثه حتى سمعوه يصرخ ويستغيث ويطلب منهم أن يخرجوه فلما أخرجوه وحاولوا استنطاقه ليتبنوا الأمر منه لم ينطق ببت شفه ولازم الصمت خائفا مرعوباً ثم اخذ لحمه يتناثر من سائر جسده فتناهى الخبر إلى داود بن علي فكتم أمر محاولته هذه وأعاد دفن القبر وعمل عليه صندوقا من الخشب[4].

 

 

-----------------------------------------------------------

[1] بنظر: فرحة الغري ص25.

[2] فرحة الغري, 37-38.

[3] كما ذكر ذلك صاحب كتاب منتخب التواريخ على صفحة 291 من هذا الكتاب.

[4] فرحة الغري ص61.